{ وكَذلكَ نُرِى إبراهيم مَلَكوت السَّموات والأرض } مثل هذا التبصير لبصر إبراهيم ، والإشارة إلى ما ذكر من رؤية إبراهيم آزر وقومه في ضلال مبين ، وتعلق الكاف بها بعدها أو بمحذوف نعت مصدر محذوف ، أو تجعل اسما مفعولا مطلقًا إذ كانت نعتًا لمصدر محذوف كما رأيت ، وصحت الإشارة بذلك للمؤنث وهو الرؤية لتأويل المذكور ، وصح تشبيه الإراءة بالرؤية باعتبار ما يحصل من الإرادة وهو الرؤية ، أو باعتبار أن رؤية إبراهيم أباه وقومه في ضلال مبين إنما هى بإراءة الله جل وعلا إياه ، أن أباه وقومه في ضلال مبين .
وقيل: الإشارة إلى الإراءة في قوله: { نرى إبراهيم } وفيه ضعف ، لأن مثل هذا مما فيه الإشارة والتشبيه للشئ بحيث يكون على صورة تشبيه الشئ بنفسه ، يتقدم فيه المشار إليه نحو صحح الله جسمى ، وعلمنى ورزقنى ، وهدانى للإسلام ، كذلك أكرمنى الله إذا أشرت إلى التصحيح والتعليم والرزق والهدى ، ووجه ذلك أن وصف الشئ قد يخالف حقيقته بقصد من المتكلم ، لأن المخاطب لا يحقق ما خوطب به ، أو لأن المتكلم لا يقدر على الوصف الحقيقى لعظمة الموصوف أو لقصوره أو تقصيره ، فكأنه قيل ذلك على نحو ما وصفته ، وترى بلفظ مضارع الحال مع أن الإراءة قد مضت تصويرًا للماضى منزلة ما حضر لمزيد تحقيقه ، كما يحقق الشئ الشاهد ، وملكوت مفعول ثان ، وقرئ { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } بمثناة فوقية ، وفتح الراء ونصب إبراهيم ورفع ملكوت على أنه نائب الفاعل ، لكن من نيابة المفعول الثانى ، وهذه الإراءة بصرية تعدت لاثنين: الأول بالهمزة من قولك أراءة ، والثانى بنفسه قبل الهمزة ، ولكونها بصرية تعدت لاثنين فقط ، مع وجود همزة التعدية ، فإنه رأى الملكوت ببصره ، وقد يقال إنها من علم العرفان المتعدى لواحد ، فتعدى الأخر بنفسه .
هذا ما ظهر لى في تحرير المقام ، قال سلمان الفارسى ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد: هذه الرؤية التى أراه الله إياها ، ملكوت السموات والأرض رؤية عين ، انفرجت له السموات والأرضون ، ورأى مكانه في الجنة ورأى العرش والكرسى ، وما في السموات من العجائب ، ونظر إلى أسفل الأرضين وما فيهن من العجائب ، فذلك ملكوت السموات والأرض ، أقامه الله على صخرة فكشف له عن ذلك ، وبذلك قال على بن أبى طالب ، وعنه وعن سلمان: أنه لما رفع إبراهيم ليرى ملكوت السموات والأرض رأى رجلًا يزنى ، فدعا عليه فهلك ، ورأى آخر يسرق ، فدعا عليه فهلك ، فرأى آخر يعصى ، فدعا عليه فهلك ، فرأى رابعًا فأراد الدعاء عليه فأوحى الله إليه دع عنك عبادى ، فإنك لم تخلقهم ، وإنك مجاب الدعاء فلم يهلك الرابع ، وقيل هذا في الثالث فلم يهلك الثالث إما أن يتوب عبدى فأغفر له ، وإما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدنى ، وإما أن يبعث إلىَّ فلا يفوتنى عذابه ، وفى رواية وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه .