{ وما } نافية أو استفهامية إنكارية { لَهم } خبر ومبتدؤه المصدر من قوله { ألاَّ يُعذِّبُهم اللهُ } أو لهم نابت عن فعل أو وصف رافع الكتفى به عن الخبر ، والمصدر فاعل ، وذلك على النفى ، وأما على الاستفهام فما مبتدأ ولهم خبر ، وألا يعذبهم الله حال على تأويل غير تعذيبهم الله ، وتأويل هذا بغير معذبهم الله ، أو بغير ذى تعذيبهم الله ، وقيل: إن زائدة عملت ، والجملة حال وهو قول الأخفش ، ورد بأن الأصل الزيادة ، وأن الزيادة لا يعمل إلا إن اختص كالياء الزائدة ، عملت الجر في الاسم لاختصاصها بها ، وأن لا تختص بالفعل فقد دخلت على الحرف في قوله:
فأمهله حتى إذا إن كأنه ... معاطى يد في لجة الماء غامر
وقوله:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشر مظلم
وعلى الاسم في قوله:
* كأن ظبية تعطو إلى وارف السلم * ... في رواية جر ظبية ، ويجوز تقدير الجار أى ومالهم في أن لا يعذبه وهو مختار ابن هشام ، وقال الطبرى: المعنى ما يمنعهم من أن يعذبوا فقدر من وعلقها بمالهم لتضمنه ما يمنعهم ، وجعل لا زائدة ، وقيل: ما منعهم من أن يعذبوا ، وجعل المصدر مفعولا لما لهم ، ولا يرد عليهما أن الجار والمجرور لا يعمل في المفعول كما قال ابن هشام ، لأن العامل الجملة ، وعلى كل حال فالمعنى ما لهم أن لا يعذبهم الله إذا خرجت من بين أظهرهم أنت وجميع المؤمنين ، أو إذا تركوا الاستغفار ، أو إذا أسلم من يسلم منهم ، أو إذا أخرجت الذرية المسلمة منهم ، أى هم أهل لذلك سواء فعل بهم ذلك أم لا ، فتراهم قتلوا يوم بدر ، ولم يستأصلوا لحضور عكرمة بن أبى جهل وغيره ممن سيؤمن .
وعن بعضهم: لما خرج المؤمنون والنبى من بين أظهرهم ، عذبوا بفتح مكة ، وقيل: هذا العذاب القتل والأسر يوم بدر ، على أنه ليس المراد: وما لهم أن لا يعذبهم عذاب استئصال ، ولو كان هو المراد بالعذاب الأول في أحد الأوجه ، وقيل: هذا العذاب عذاب الآخرة والأول عذاب الدنيا .
وقال ابن إسحاق: قوله: { وما كان الله ليعذبهم } إلى { يستغفرون } من مقول المشركين على طريق الالتفات في ضمير الغيبة والتصرف في الكلام في قوله: { وأنت } والأصل ما كان الله ليعذبنا وأنت فينا ، وما كان الله معذبنا ونحن نستغفر ، اعتقدوا أن لا تعذب أمة ونبيها فيها ، ولا تعذب وهى تستغفر ، أى إن صدقت في ادعائك النبوة ، فهذان مانعان من عذابنا ، فحكى الله قولهم ذلك تقبيحا عليهم ، ورد عليهم بقوله: { وما لهم أن لا يعذبهم } الخ ، أى هم أحقاء بأن بعذبوا ، ولو كنت فيهم وكانوا مستغفرين ، لأنهم غير مخلصين في استغفارهم بأن يصيبهم العذاب دونك ، ولكن قضينا أن لا نعذبهم .