{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ } أى أنهينا وأوصلنا إليه أن لا يقرب الشجرة ولا يأْكل منها يقال: تقدم السلطان إلى زيد وأوعز إليه وعزم عليه ، وعهد إليه إذا أمره وأوصاه والواو للاستئناف واللام في جواب قسم محذوف وحرف القسم يقدر غير الواو وذلك لئلا يجتمع واوان . ويجوز تقديرها كما تقول بعد كلام: ووالله .
وقيل: الواو عاطفة على صرفنا فيه من الوعيد ، لأن القسم ولو كان إنشاء لكن الغرض جوابه وما هو إلا تأكيد لجوابه ، وجوابه هنا إخبار . وأجاز كثير عطف الإنشاء على الإخبار والعكس .
وقيل: اللام للابتداء .
وقيل: زائدة للتأكيد ، وهكذا في مثل ذلك .
{ مِنْ قَبْلُ } من قبل هذا الزمان ، أو من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدى وتركوا الإيمان بى ، وهم المذكورون بقوله: { لعلهم يتقون } أو من قبل أكله من الشجرة .
{ فَنَسِىَ } ترك ما عهدنا إليه من آنه لا يأكل منها ، أو لم يمتن بالعهد الاعتناء الصادق حتى زال من حافظته وقال عياض: نسى عداوة إبليس والعهد .
وقيل: لم يقصد المخالفة بل اغتر بحلف إبليس .
وقيل: ناولته من الشجرة حواء ولم يعلم أن ما ناولته من الشجرة المنهى عنها فالتصنيف من ترك التحفظ .
وقيل: نسى ترك لأنه توهم أن النهى نهى تنزيه لا نهى تحريم وفى ذلك إشارة إلى أن أساس بنى آدم العصيان وعِرقهم راسخ في النسيان كأنه قال: قد أوعدنا إياهم على الأكل منها من قبل أن توعدهم على المعاصى والشرك فخالف إلى ما هى عنه بالترك أو بالغفلة .
وقرئ فنُسِّىَ بالبناء للمفعول وتشديد السين أى حمله الشيطان على الغفلة أو الترك .
{ وَلَمْ نِجِدْ لَهُ عزْمًا } من الوجود الذى هو ضد العدم ، فله مفعول واحد وهو عزما . وأما قوله فمتعلق به ، أو حال من عزما ولو نكرة لتقدم له عليه ولتقدم النفى أو من الوجود الذى بمعنى العلم فله مفعول ثان وعزما مفعول أولز
والعزم: الثبات على الأمر والتصلب فيه ولو كان في ذلك الوقت إثبات وتصلب لم يزله الشيطان وبعد ما جرب الأمور وذاق حلوها ومرها تصلب وثبت كما قال A: لو وزنت أحلام بنى آدم بحلم آدم لرجح حلمه .
وفى رواية: وقد قال سبحانه وتعالى: { ولم نجد له عزما } وعليها فالحديث في نقيضة الخليقة ، أى أن الإنسان بالغًا ما بلغ قد يطفئ الشيطان نور عقله ويغره أو المعنى عزمًا على معصية ولكنه أخطأ .