{ وقَالتِ اليَهودُ } كان هذا القول فاشيا في اليهود جميعا ثم انقطع ، فأخبر الله سبحانه عنهم ، وأظهره ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك ، وقيل: لم ينكروا ذلك لاشتهاره ، ولولا أن اشتهاره فيهم لأنكروا لتالكهم على التكذيب ، وقيل: قاله بعض متقدميهم ، وقيل: قاله ناس من يهود المدينة ، عن ابن عباس ، قالها أربعة من أحبارهم: سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، أتوا رسول الله A فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزير بن الله؟ فنزلت الآية .
وقيل: إنه لم يقله إلا فنحاص بن العيزار ، ونسب القول إليهم ، لأن من قاله بعضهم ، ولأنه فيهم ، ولأنه عظيم فيهم ، وبهذا علل عياض ، والعرب تقول: فلان يجالس الملوك ، ولو لم يجالس إلا ملكا واحدا ، ويركب الخيل ولو لم يركب إلا فرسا واحدا .
{ عُزير ابنُ اللهِ } مبتدأ وخبر ، ولهذا تكتب ألف ابن لأنها تسقط إذا كان تابعا لعلم مضافا لعلم ، لا إذا كان خبرا أو غيره ، ولم ينون عزير لأنه علم عجمى كعازر وعيزار ، فمنع الصرف ، لا لوجود ابن بعده ، لأنه يمنع تنوين العلم لوجود ابن بعده ، إذا كان ابن تابعا له ، أو لم ينون لالتقاء الساكتين بأن شبه التنوين بحرف اللين ، فحذف للساكن بعده ، وإلا فحق التنوين ثبوته مكسورا مثلا للساكن بعده .
ومثله قراءة بعض: أحدُ الله بحذف التنوين ، وهذا الوجه ضعيف لقلة ذلك ، ومثله في الشعر ولا ذاكر الله قليلا ، بنصب اسم الجلالة ، وعدم تنوين ذاكر ، ومنه قراءة بعض: « ولا الليل سابق النهار » بنصب النهار ، وعدم تنوين سابق ، وزعم بعض أنه لم ينون ، لأن ابن تابع له نعتا أو بيانا أو بدلا ، وهو خبر لمحذوف ، أى الإله فينا عزير ابن الله ، أو مبتدأ محذوف الخبر ، أى عزير ابن الله إله ، وثبتت ألف ابن مع أنه تابع في خط المصحف شذوذا .
ويرده أن المشنع عليهم هو قولهم: إن عزير هو ابن الله وهذا يقيده كون عزير مبتدأ ، وابن خبره ، لا كون عزير مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر محذوف المبتدأ ، فإن هذا يفيد أن المشنع عليهم هو قولهم بأنه إله ، فإنه ولو كان مشنعا لكن غير مقصود في الآية ، وقد يقال: المراد فيها التشنيعان معا ، كأنه قيل: انظر إلى هؤلاء القائلين هذا الكلام الذى تضمن أمرين قبيحين: نسبة الولد إلى الله ، ونسبة الألوهية لغيره ، ولكن ذلك ضعيف ، لأنه بظاهره يوهم تسليم البنوة لله ، وإنكار مجرد كون عزير إلها ، وأيضا قراءة عاصم ، والكسائى ويعقوب: تنوين عزير على أنه عربى تدل على ما قلنا من ان عزيرا مبتدأ وابن خبره ، ويحرك تنوينه بالكسر ، ولا يحرك بالضم في مذهب الكسائى تبعا للنون ، لأن ضمة النون للإعراب غير لازمة .