{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِم الأَرْضُ } : يم متعلق بيود ، أى يود يوم إذ جئنا بالشهود ، وكفروا: أشركوا ، وعصوا الرسول: عَصَوا بما دون الشركِ من الكبائر والصَّغَائر ، ففى هذا خطاب المشركين يقرع ، والشريعة إذ عوقبوا عليها ، كما عوقبوا على الشرك حتى أنهم تمنوا لذلك أن تسوى بهم الأرض ، ويجوز أن يكون { الَّذِينَ كَفَرُواْ } بمعنى فاعلى كبائر الشرك وفاعلى كبائر النفاق ، و { وَعَصَوُاْ } بمعنى فعلوا الصغائر ، و { لو } مصدرية وليست للتنى ، لأن التمنى أفاده يود والمصدر مفعول يود ، ولا حاجة إلى أن يقدر مفعول يود ، وتجعل { لو } شرطية مقدرة الجواب ، أى: يود الذين كفروا وعصوا الرسول تسوى الأرض ، لو تسوى بهم الأرض لسووا ، وعصوا: معطوف على كفروا ، أو حال فالواو للحال ، وتسوى: مضارع اصله تتسوى ، بدلت التاء الثانية سينًا ، وأدغمت في السين ، وذلك قراءة نافع وابن عامر ، وقرأ حمزة والكسائى: تسوى بلا تشديد للسين فهو أما ماض وإما مضارع حذفت إحدى تاءيهن وقرأ الباقونك نسوى بالبناء للمفعول وفتح السين مخففه ومعناه أن تجعل الأرض مستوية بهم بأن تنشق فتبلعهم ، أو تحفر فيدفنوا فيها ، والباء للملابسة أو السببية أو الاستعلاء ، أو تبقى كما كانت بلا بعث لهم منها ، أو لم يخلقوا فيستووا بالأرض إذ كانوا بعضها ، وعلى قراءة غير الباقين يكون لأرض مستوية عليهم أو معهم . قال الكلبى: يقال للدواب والطير كونى ترابًا فتكون ترابًا كتراب الأرض مستويًا به ، فيود الذين كفروا وعصوا أن يكونوا كذلك .
{ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } : عطف على يود ، أى: لا يقدرون أن يكتموا حديثًا عن الله يومئذ ، أو حال من { الذين } أو من « هاء » بهم . روى أنهم إذا قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم ، فيتمنون أن تسوى بهم الأرض ، فالحديث حديث عصيانهم وشركهم على العموم ، وهو رواية عن ابن عباس ، وقال عطاء عنه: الحديث حديث أمر محمد صلى الله عليه سلم . قال الشيخ هود: ذكروا عن أبى موسى الأشعرى ، قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين ، فختم الله على أفواههم ، فقال للجوارح انطقى فإن اول ما يتكلم من أحدهم فخذه . قال الحسن: نسيت اليمنى أم اليسرى؟ قال الحسن في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسًا وطء الأقدام ، وتارة يتكلمون ويكذبون . وقال: وأما كنا نعمل من سوء ، وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، وفى موضع يقترفون على أنفسهم بالكفر ، ويسألون الله أن يردهم إلى الدنيا فيؤمنوا ، وآخر تلكالموطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم . انتهى كلام الشيخ هود ، وهو دافع يتوهم من تناقض ، ومن الاعتراف قوله تعالى: { فاعترفوا بذنوبهم } وفى موضع لا يتسألون . كما قال رجل لابن عباس: تناقض على قوله تعالى { ما كنا مشركين } وقوله تعالى { ولا يكتمون الله حديثًا } فقال: انكروا الشرك فختم على أفواههم فنطقت به جوارهم .