{ ثمَّ لم تَكُن فِتْنتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ ربِّنا ما كنَّا مُشْركينَ } الفتنة فتنة الدين ، وهو صرفهم عن الدين الحق ، كما فسر ابن عباس الفتنة بالشرك على حذف مضاف ، أى عاقبة فتنتهم ، أى لم تكن عاقبة كفرهم إلا قولهم: { والله ربنا ما كنا مشركين } حلفوا كاذبين مع علمهم أنهُ لا ينفعهم ذلك لشدة دهشتهم ، كما قالوا: { ربنا أخرجنا } مع إيقانهم بالخلود ، إذ أحبوا الأوثان وعبدوها ، وصرفهم ذلك عن الإيمان كمن أحب إنسانًا ، فوقع في محنة فلم ينفعه ذلك الإنسان ، فقلت له: ما كان صحبتك لفلان إلا أن فر منك ، أو الفتنة التخليص ، يقال: فتنت الذهب أى أخصلته من غيره ، أى ثم لم يكن تخليصهم أنفسهم من عذاب الله إلا قولهم: { والله ربنا ما كنا مشركين } وليس بمخلص لهم ، فحينئذ يصح تفسير الفتنة بالمعذرة التى يتوفون .
كما قال قتادة الفتنة المعذرة ، وهو رواية عن ابن عباس ، وكذلك قال مجاهد التخلص بها ، أو الفتنة الجواب سماه فتنة لأنه كذب ، والكذب فتنة في الدين أو سماه فتنة لأنهم قصدوا به التخلص كفتنت الذهب أى خلصته ، كما قال الضحاك الفتنة كلامهم ، أى كلام الكاذب ، وإنما قال لمن تكن بتاء التأنيث ، مع أن فتنتهم خبر للكون لا اسم له ، والاسم هو قوله: { أن قالوا } لأنه يجوز تأنيث المبتدأ إذا كان خبره مؤنثا ، وإن قالوا مبتدأ في الأصل ، وفتنتهم خبره في الأصل ، وذلك قراءة نافع وأبى عمرو وأبى بكر ، وقراءة ابن كثير وابن عامر وحفص لم تكن بالتاء وفتنتهم بالرفع على أنه الاسم ، وإن قالوا خبر ، وقرأ الباقون بالباء التحتية ونصب فتنتهم على الخبرية ، وإن قالوا: الاسم وفى قراءة نافع اعتبار كون المصدر ضمير الصريح المنسبك من الفعل أشد تعريفًا من الصريح المضاف ، وكان لمنزلة العلم ، فكان أولى بأن يكون مبتدأه وقرأ لأكون والله ربنا بالنصب على النداء ، أى يا ربنا أو المدح ، أى أعنى ربنا ، ووجه الجر في قراءة الجمهور البدلية ، وهى أولى من عطف البيان ، لأنهم يقولون ذلك الله ، والله أعلم أنه المراد بقولهم: والله ، وليسوا يقصدون بالكلام بعضهم بعضًا ومن النعت ، لأن لفظ رب تغلبت عليه الاسمية .