{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } : كله ولا تخف ، ولا تراقب أحدًا ، قالت عائشة رضى الله عنها: من زعم أن محمدًا نقص شيئًا من الوحى لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية ، لأن الله تبارك وتعالى يقول: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } الآية ، والمراد ما أمر بتبليغه ، أو من شأنه لاما هو سر بين الله ورسوله A .
{ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ } : بل بلغت بعضًا فقط .
{ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } : فما بلغت شيئًا منها ، فان كتمان بعض ككتمان الكل ، فيضيع تبليغ البعض بكتمان البعض الآخر ، لأنه ينتقض به غرض الدعوة ، فتبليغ جميع ما أنزل اليه ولو كان أشياء مفعولة بأزمنة وفروضًا متعددة ، هو كالصلاة في كون ترك البعض كترك الكل ، بل الفرائض كلها ولو اختلفت ترك واحدة كترك الكل ، فانه فرض عليه تبليغ الكل عما فرضت الركعات الأربع كلها ، ومن ترك بعضًا من الصلاة لم يصح أن يقال قد أدى ما صلى منها ، ألا ترى أنه لا يجزيه أن يقتصر على أن يزيد عليه ما لم يصل فقط .
ودلت الآية أن الكفر بحرف من كتاب من كتب الله كفر بكتب الله كلها وأنبيائه كلهم ، وبعكسه قال ابن عباس: ان كتمت آية واحدة لم تبلغ رسالتى ، ويجوز أن يكون المعنى فكأنك لم تبلغ شيئًا ، وعلى كل حال فالجواب غير متحد مع الشرط ، بل خالفه ، وليس كقولك ، فان تفعل فما فعلت ، بل يجوز اتحادهما أيضًا بطريق يؤدى الى عدم الاتحاد ، مثل أن يراد فان لم تفعل التبليغ كله فما فعلت التبليغ كله ، فيكون { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } تهديدًا ووعيدًا ، كأنه قيل: فقد علمت جزاء من لم يبلغ ، وقرأ غير نافع وابن عامر وأبى بجر رسالته بالافراد وفتح التاء .
{ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } : لا يصلون الى قتلك أو ضرك ، فلا عذر لك في الكتم والخوف ، قال رسول الله A: « بعثنى الله برسالاته فضقت بها ذرعًا فأوحى الله تعالى الى أن لم تبلغ رسالاتى عذبتك وضمن لى العصمة فقويت » ، وعن الحسن أن رسول الله A شكا الى ربه ما يلقى من قومه فقال: « يا رب ان قومى خوفونى بأعطنى من قبلك آية أعلم أنى لا مخافة على » فأوحى الله تعالى اليه أن يأتى وداى كذا وكذا فيه شجرة ، فليدع غصنًا منها يأتيه ، فانطلق الى الوادى فدعى عصنًا منها فجاء يخط الأرض حتى انتصب بين يديهن فحبسه ما شاء الله أن يحبسه ، ثم قال له: « ارجع كما جئت » فرجع فقال: علمت يا رب أن لا خوف على .