{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ } : لا تجعلوها كالشىء الذي يجوز تركه ، ويحل الاعراض عنه ، حتى انه غير طاعة ، أى لا تبطلوها بالنهى عنهان أو تركها ، أو جعل ما نهيتم عنه كأنه قيل: لا تزيلوا حرمتها ، والمفرد شعيرة فعيلة بمعنى فاعلة ، أى مشعرة بكسر العين ، أى دالة على الله ، أو بمعنى مفعولة مجعولة شعيرة ، أى دالة يقال: أشعره الشىء فهو مشعر بفتح مشعر بفتح العين ، أى مجهول دالا وهى دين الله D ، فشملت الحج وغيره من التكاليف والطاعات غير الواجبة ، أى لا تتركوا شيئا مما فرض الله أو ندب اليه ، وذلك تفسير الحسن وعطاء بن رباح .
وقيل: شعائر الله فرائضه ، وقيل: أعمال الحج ومواضعه كالميقات والبيت ومنى وعرفات وجمع ، وذلك مشعر بالله ، وهو أيضا علامات الحج ، وهو قول ابن عباس .
قيل: كان المشركون يحجون ويسقون الهدى ، وأراد المسلمون أن يغيروا على هديهم ومالهم ، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية ، ونزلت في ذلك .
وقيل: نزلت في الحطم ، واسمه شربح بن هند بن ضبيعة البكرى ، أتى المدينة وحده ، وخلف خيله خارج المدينة ، فقال للنبى A: الى مَ تدعون الناس؟ فقال: « الى شهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة » فقال: حسن الا أن لى قوما لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلى أسلم وآتى بهم ، فخرج وقيل قال: لأن قبلوا كنت معهم ، وان أبوا كنت معهم ، وقلد قال A لأصحابه: « يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان » ولما خرج شريح قال رسول الله A: « لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم » فمر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به مترجزا يقول:
قد لفها بالليل سواق حكم ... ليس براعى ابل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات بقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم
فتبعوه ولم يدركوه ، ولما كان في العام القابل خرج حاجا مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة ، ومعه تجارة عظيمة ، وقد قلد الهدى وهو ما أخذ من سرح المدينة ، وذلك عام تمام قصة العمرة التى أحصروا عنها في الحديبيةن فقال المسلمون: يا رسول الله هذا الحطم قد خرج حاجا معتمرا فخل بيننا وبينه ، فقال النبى A: « انه قد قلد الهدى » فقال: يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله في الجاهلية ، فأبى النبى A ، فانزل الله: { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ } .
ولهذا قال من قال: الشعائر بالهدايا المشعرة بفتح العين وهى الابل التي تساق الى مكة للنحر ، يطعن في سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم ، فيكون ذلك علامة أنه هدى ، ولا يلزم من فعل ذلك أن فاعله محرم مكث أو مضى معها للحج ، وقيل: هو بذلك محرم ، ولو لم يحرم فان فعل مالا يفعله المحرم لزمه ما يلزم المحرم اذا فعل ما لا يجوز ، ويدل للأول ما روى عن عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله A أشعر الهدى وقلده ولم يحرم على نفسه ما يحرم على المحرم ، وما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى رسول الله A الظهر بذى الحليفةن فدعى بناقته فأشعرها في صفحة سنامها اليمنى ، وسلت الدم عنها ، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء وهو هنا اسم موضع لا مطلق المغازرة هلَّ بالحج .