{ إذْ } بدل من إذ في قوله { وإذ يعدكم } على أن الوعد كان في وقت الاستغاثة فيما زعم بعض ، أو مفعول لاذكروا محذوفا مستأنفا أو متعلق بيحق أو يبطل ، وزعم بعضهم أنه يجوز تعليقه بيعدكم { تَسْتَغيثُون ربَّكُم } وقرأ أبو عمرو في رواية أبى حاتم بإدغام الذال في التاء ، واستحسنها أبو حاتم ، والاستغاثة طلب الغوث ، والمراد النصر ، قيل: لما علموا أنه لا بد من القتال أخذوا هم والنبى A يقولون: رب انصرنا على عدوك ، وزعم بعض أن الخطاب للنبى A وحده ، ولفظ الجماعة تعظيم له .
وعن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم: لما كان يوم بدر ، نظر رسول الله A إلى المشركين وهم ألف ، ثم مد يده فجعل يهتف بربه: « اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض » فما زال يهتف بربه مادا يديه ، مستقبلا للقبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه ، فأتى أبو بكر رضى الله عنه ، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى الله كفاك منا شدتك ربك ، فإنه سينجز ما وعدك ، وفى ذلك نزل: { إذ تستغيثون ربكم } الخ .
وذلك الدعاء في داخل العريش ، وفيه معه أبو بكر وحده ، وفَّى رواية ابن إسحاق أنه قال: خل بعض مناشدتك ربك ، قيل: قال: خل البعض ، ولم يقل خل الكل ، لأن جهاده في ذلك الوقت كان الدعاء فقط .
وفى رواية أنه لما رأى كثرة العدو ، ركع ركعتين وأبو بكر عن يمينه وقال في صلاته: « اللهم لا تخذلنى ، اللهم أنشدك ما وعدتنى » وذلك كله بعد أن عدَّل صفوف أصحابه وأمرهم ونهاهم ، وبينما هو في العريش مع أبى بكر إذ خفق خفقة ثم انتبه متبسما فقال: « أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل على ثناياه النقع » الثنايا أربع سنان ، في مقدم الفم اثنتان من فوق واثنتان من تحت ، و النقع الغبار ، ثم خرج من باب العريش يتلو: { سيهزم الجمع ويولُّون الدبر } قال علىّ: قاتلت يوم بدر شيئا من القتال ، ثم جئت إلى رسول الله A أنظر ما صنع ، فإذا هو ساجد يقول: « يا حى يا قيوم » ثم رجعت إلى القتال ، ثم جئت فإذا هو ساجد لا يزيد على ذلك ، ثم ذهبت إلى القتال ، ثم جئت فإذا هو ساجد يقول ذلك ، ففتح الله عليه ، ومات ستة رجال من المهاجرين ، وستة من الخزرج ، واثنان من الأوس ، من المهاجرين ، وستة من الخزرج ، واثنان من الأوس .
وإن قلت: كيف قال أبو بكر خل عنك بعض مناشدتك ربك أو كفاك مناشدتك ربك؟
قلت: أجاب السهيلى نقلا عن شيخه بأن الغالب حينئذ على أبى بكر الرجاء ، وعلى النبى A الخوف ، وقال الخطابى: بالغ في الدعاء شفقة على أصحابه ، وتقوية لقلوبهم ، إذ علموا أن دعاءه مستجاب ، ولما قال له أبو بكر ذلك كف ، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من الطمأنينة ، وكان A في تلك الحال في مقام الخوف ، وهو أكمل حالات الصلاة ، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة ، وإنما قال: