فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 7680

{ فَإذا قَضَيْتُم } : أديتم .

{ مَنَاسِكَكُم فاذكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُم آبَاءَكُم } . المناسك: أفعال الحج ، وقال مجاهد: إراقة الدماء ، والأول أوضح كانت العرب إذا فرغوا من الحج خطب كل فريق بمحاسن آبائه وحدث بها ، ويشتغِلون بذلك ، ولا يكادون يذكرون سوى ذلك ، يقفون بمنى بين المسجد والجبل ، ويذكرون ذلك نثرًا ونظما: يذكرون جودهم وشجاعتهم وغير ذلك ، يقول أحدهم: كان أبى كبير الجفنة ، رحب الفناء ، يَقْرى الضيف ، وكان كذا وكذا .

وقيل: يفعلون ذلك عند البيت ، ويجمع بينهما بأنهم يفعلون ذلك في الموضعين وذلك رياء وشهرة ، وتسمع وترفع ، فلام منَّ الله سبحانه عليهم بالإسلام وذلك رياء وشهرة ، وتسمع وترفع ، فلما منَّ الله سبحانه عليهم بالإسلام أمرهم أن يذكروا الله ذكرًا شبيها بذكرهم آباءهم في الكثرة ، هذا قول الجمهور ، أى أكثروا ذكرى فأنا الذى أنعم عليكم وعلى آبائكم بذلك ، وأنعم عليكم بالإسلام الذى هو أعظم من ذلك .

وروى عطاء عن ابن عباس المعنى فاذكروا الله كذكركم آباءكم حين كنتم صغارًا ، لأن الصبى حين يفصح بالكلام ينطق بأبيه وأمه ، ولا يعرف غير الإكثار من ذكرهما ، ويلتجئ إليهما يوتسغيث بهما فليلتج المكلف إلى الله كذلك ، ويستغيث به ويذكره .

{ أو أشدَّ ذِكرًا } : فتحة أشد نائبة عن الكسرة فهى جر ، والعطف على ذكركم ، أى أو كأشد ذكرا ، فيقدر موصوف ، أى وكذكرم أشد ذكرا فحينئذ يكون الذكر المقدر ، قد أسندإليه أنه ذاكر ، كما أن الإنسان ذاكرا ، وذلك أن تمييز اسم التفضيل فعل لموصوف اسم التفضيل ، وذلك من إسناد صفة إلى شئ هو صاحب من هى له حقيقة ، فهو مجاز عقلى ، أو العطف على كاف ذكركم ، ويقدر موصوف ، والإسناد حقيقة ، أى أو قوم أشد ذكرًا منكم للآباء ، فكأنهُ قيل ، كذكركم آباءكم و كذكر قوم أشد ذكرا ، وفيه العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ، والأكثر الإعادة ، وقيل: يكفى عن الإعادة الفصل كمم في العطف على الضمير المرفوع ، ويجوز أن تكون فتحة أشد نصبا ، والعطف على آبائكم أى: أو كذكركم رجلا أسد ذكرًا ، أى رجلا من آبائكم ذكره يكون أكثر من ذكر غيره ، على أن ذكرًا مصدر من المبنى للمفعول ، ويغلط كثير في كون المصدر من المبنى للمفعول ، وكونه من المبنى للفاعل ، فيعد المصدر المضاف للمفعول بلا ذكر فاعل من المصادر المبنية من المبنى للمفعول ، وليس كذلك ، لأن الفاعل لمحلوظ اللفظ حينئذ كما لحظ معناه ، ويجوز أن يكون أشد حالا من ذكْرا بعّده ، إذ لو تأخر لكان نعته وَذِكْرا معطوف على الكاف الأولى في قوله: { كذكركم } على أنها اسم ، أى فاذكروا الله مثل ذكركم آباءكم ، أو ذكرًا أشد أى اذكروا الله ذكرًا مثل ذكركم آباءكم ، أو ذكرًا أشد أو معطوف على المنعوت المحذوف ، على أن الكاف حرف ، أى اذكروا الله ذكرًا ثابتًا كذكركم آباءكم ، أو ذكرًا أشد ، ويجوز كون أشد خبرًا لكون محذوف ، أى كونوا أشدّ ذكرًا لله منكم لآبائكم ، وذلك لأن الله هو المنعم عليهم وعلى آبائهم ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقيل له: قد يأتى على الرجل اليوم ولا يذكر أباه فقال: ليس كذلك ، ولكن إن تغضب الله D إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتم ، وأو للشك باعتبار الملخوق ، أى: ذكرا يظن الإنسان أهو أكثر من ذكر الآباء أو ذكر الآباء أكثر ، غذا اعتبر ما بينهما ، ويجوز أن تكون بمعنى بل ، وقيل بمعنى الواو ، والمراد من الذكر حضور القلب ، فينبغى أن يكون مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكر ، ويتعقل معناه فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما المقصود ، ولهذا أكان المهذب الصحيح المختار مد الذاكر لا إله إلا الله لما فيه من التدبر ، قاله النووى ، تلميذ ابن مالك الذى أشار إليه في خلاصته بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت