{ يأيُّها الذِينَ آمنُوا كلُوا من طَيِّبات ما رَزَقْناكم } : مفعول كلوا محذوف ، أى كلوا شيئًا أو بعضا من طيبات ما رزقناكم ، وفى التعبير بشئ أو بعض مع من الابتدائية أو التبعيضية تلويح إلى ألا يرغبوا في المأكولات ، ولا يجعلوها همًا لهم ، وإنما ذلك من شأن من لا يهمه أمر الدين ، فلا يبالى بما تجر إليه الرغبة فيها ، والطيبات الحلال ، أو اللذائذ الحلال ، وإنما كرره لينبه أنها رز منه امننَّ به علينا ، وليأمرنا بشكره ، وما رزقناكم هو جميع ما ننتفع به من مأكول وغيره ، فالمأكول بعضه ، الذى يظهر لى أن قوله D: { كلُوا من طيِّبات ما رزقناكم } ، مجاز مركب غير استعارى ، فإن هذه الجملة موضوعة للأمر بالأكل من الطيبات ، واستعملت في معنى الزجر عن أكل الحرام ، فليس قوله: { كلوا } على ظاهره من الأمر فضلا عن أن يقال إنه أو للوجوب أو للإباحة ، ويحتمل أن يكون الكلام حقيقة أمرا بالأكل أمرا إباحة إيذانا بالتوسيع في كل شئ ، وقيده بالحلال أو ردا على ما حرم على نفسه بعض ما حل ، أو على من حرم على نفسه بعض اللذائذ ، ويحتمل أن الأمر في ذلك للوجوب بالنظر إلى حفظ النفس عن الجوع المؤدى إلى الموت ، أو إلى تلف عضو أو منفعة عضو ، أو إلى الضعف المؤدى إلى العجز عن القيام بالفرائض كالصلاة والصوم والحج ، وقد يندب الأكل كالأكل مع الضعيف إذا كان ترجى بركته ، وكالأكل مع الضيف إذا كان لا يأكل إن لم يأكل معه ، فإنهُ يأكل إن لم يكن يجد الشبع ، والحلال في ذلك كله قيد ، وحرام أكل الحرام وإيكاله ، ففى مسلم عن أبى هريرة ، قال رسول الله A: « إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال: { يأيها الرُّسل كلُوا من الطيبات واعْملُوا صالحًا } وقال: { يأيها الَّذِين آمنُوا كلوا من طيِّبات ما رزقْناكم } » . وفى الحديث تفسير الطيبات بالحلال ، إذ ساق الآيتين بعد قوله: « إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب » ثم ذكر: « الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب له » وفى رواية فأنى يستجاب لذلك ، والأشعث بعيد العهد بالدهن ، والأغبر بعيد العهد بالغسل والنظافة .
{ واشْكُروا الله } : على طيبات ما رزقناكم وتحليل ما في الأرض لكم والشكر هو القيام بحق النعمة باستعمال الجوارح المغذاة بها ، والمنتفعة بها في العبادة وإنفاق الواجب منها .
{ إن كُنتُم إيَّاه تعبدون } : جوابه محذوف تقديره فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر أو مدلول عليهِ بما قبله ، أى فاشكروه ، والعبادة العمل الصالح ، وتقديم إياه للحصر ، أى إن كنتم تخصونهُ بالعبادة ، وقيل معناه إن كنتم عارفين بالله وبنعمة فاشكروه ، وهو من الشرط الذى أريد به التثبيت وهز النفوس ، فإن الشكر واجب عليهم غرفوه وعرفوا نعمة أم لا ، وخصوه بالعبادة أم لا ، وروى البيهقى وغيره عن النبى A: