{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهم نَارًا } : فلا بد منها لمن صد عنه ، اذا كان كل من كفر بآيات الله ، الدالة على وجوده ، وتنزهه عن الشبه ، وعلى رسالة محمد A من اليهود وسائر المشركين ، أو أريد كل كافر من أمة ومعنى { نُصلِيهم } : ندخلهم .
{ كُلمَا } : ظرف متعلق ببدلنا بعده ، وما مصدرية ، والمصدر من صلتها أضيف اليه كل ، فهو مصدر ناب عن ظرف الزمان ، أضيف اليه كل ، فاكتسب منه الظرفية .
{ نَضَجَتْ جُلُودُهُم } : احترقت جلودهم ، وقيل: أجسادهم .
{ بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا } : هذه الجملة حال من هاء { نُصلِيهم } ومعنى تبديل الجلود: رد تلك الجلود المحترقة بيعنها على حالها قبل أن تحترقن كما يرد الأجسام الفانية بعينها يوم البعثن فيزول أثر الاحراق ، أو تعاد على صورة أخرى ، وعلى كل حال فتتجدد قوة احساسهم بالاحراق ، كما قال:
{ لِيَذُوقُوا العَذابَ } : أي ليحدث لهمعذاب جديد يحسونهن كمن يذوق طعما جديدا ، أو ليدوم لهم ذوق العذاب ، كقرلك العزيز: أعزك الله ، إذا أردت ابقاء عزه لا تبديله ، ولا الزيادة عليه ، وان قلت: كيف تكون الجلود المبدلة عين الأولى ، وقد قال الله جل وعلا { غَيرَهَا } ؟
قلت: لما كانت صفتها تبدل من الاحتراق الى عدمه ، نزل تغير الصفة منزلة تغاير الذات ، كما تقول: هذا يسر أفضل منه رطبا ، وكما تقول: جاء زيد العالم والشاعر ، تزيد بهما زيدان وكما تقول: بدلت خاتمى ، تريد أنه أذيب أو دق فصنع على كيفية أخرى .
وقيل: تجدد لهم جلود أخرى غير الأولى العاصية المحترقة ، ولا ظلز في ذلك للجلود المبدلة ، لأن الجلود والأبدان لا تتألم بنفسها ، بل يتألم القلب .
وقيل: الجلود المبدلة سرابيل القطران ، وقيل: يخرج من تحت الجلد صر ، قال رسول الله A: « تبدل جلودهم كل يوم سبع مرات » وعن الحسن: يبدلون كل يوم سبعين جلدا بيضا ، وعنه A تبدل: « جلود الكافر في كل ساعة مائة مرة ، كلما أكلتها النار وأحرقتها قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا » وهذا يدل أن التبديل اعادة نفس الأولى .
وعن الحسن بن أبى الحسن: تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة ، وعن ابن عباس: يبدلون جلودا بيضا كأمثال القراطيش ، وقرئت هذه الآية عند عمر رضى الله عنه فقال للقارىء: أعدها ، فأعادها وكان عند معاذ بن جبل ، فقال معاذ: عندى تفسيرها: تبدل في كل ساعة مائة مرة ، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله A .
وعن أبى هريرة: مابين منكبى الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ، وعنه أيضا: ضرس الكافر ، أو قال ناب الكافر مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ، يرفع الحديثين الى رسول الله صلى الله عليه سلم ، وذكروا أن النار تأكل أجسادهم حتى تنتهى ألى الفؤاد ، فينضج الفؤاد فلا تأكل فتخبو ، ثم يعادون خلقا جديدا .
{ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا } : في انتقامه ، فمن كفر لا يعجزه ما أراد .
{ حَكِيمًا } : في عقابه ، فانه يعاقب على وفق حكمته ، ومنها تعذيب الضعيف بالنار الشديدة ، وأنه لا يعذب إلا مستحق التعذيب ، ولابد من وقوع وعيده كوعده ، صوتا لكلامه عن الكذب ، وليس من الحكمة تركه لمستوجبهن فأخطأت الأشعرية في قولهم: انه يتركه لبعض الملكفين الموحدين ، والمرجئة قبحهم الله إذ قالوا: كل وعيد في القرآن تخويف لا يحقق بالوقوع .