{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ } : مبتدأ وخبره على حذف مضاف ، أى: إنما قبول التوبة ثابت على الله ، وقيل: تقدير المضاف يقدر ثابتة على الله ، والتوبة المذكورة من العاصى ، ويجوز أن تكون من الله ، فلا يقدر مضاف من قولك: تاب الله عليه بمعنى قبل توبته .
{ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ } : أى الذنب يسمى سوء عاقبته .
{ بِجَهَالَةٍ } : أى بسفه ، سواء كان سفهه لعدم علمه ، بأن ما عمله ذنب ، لأنه لا يعذر بعدم العلم إذا قازف الحديث الصحيح ، « ويل لمن لم يعلم ولم يعمل » أو كان سفهه عدم عمله بما عمله ، فإن عدم العمل بما عمل جهل حقيقة أيضًا أو مجاز ، لشبه العالم الخارج عن العمل بعمله بالجاهل ، كأنه جهل أنه ذنب ، وكأنه جهل أن عليه عقابًا ، وكأنه جهل أن لذة الدنيا فانية ، وتفسرى بالسفه من عموم المجاز ، لا جمع بين الحقيقة والمجاز ، ومما جاء فيه الجهل بمعنى عدم جرى الإنسان على مقتضىعلمه ، قول موسى عليه السلام { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } أى من المتخذين الناس هزءًا وقوله تعالى لنوح عليه السلام { إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } وقول يوسف: { أصب إليهن وأكن من الجاهلين } وقوله لإخوته: { إذ أنتم جاهلون } قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله A أن كل ما عصى به الله فهو جهالةن وكل من عصى الله فهو جاهل ، حتى ينزع عن جهالته . وللذين متعلق بمحذوف حال من الضمير فى { على الله } أو بما تعلق به على الله ، وإذا قلت: إن الظرف متعلق بما تعلق به الخبر ، أو النعت ، أو الحال فاعلم أنه خبر ثان ، أوحال ثان ، أو نعت ثان ، ويجوز تعليق نعت للتوبة ، ذكر مث هذا بعض المتأخرين ، أى التوبة الثابتة على الله والخبر للذين ، وبجهالة: حال من واو { يعملون } ، والباء للمصاحبة .
{ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } : أى من زمان قريب وهو جميع ما بعد ذنبه ، وقبل معاينة ملك الموت ، أو أمر من أمور الآخرة عند احتضاره ، وذلك لأن الدنيا كلها زمان قريب ، فكيف عمر الإنسان ، وكيف ما بعد ذنبه؟
قال A: « إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرر » وروى عطاء أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة . قال أبو قلابة: إن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف ، ثم جرى له ما جرى ولعن ، وانظر قال: وعز تلك لا برحت من قبله ما دام فيه الروح ، فقال الله D تعالى: وعزتى لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح ، ويروى: وعزتى وجلالى وارتفاعى في مكانى لا أزال أغفر له ما دام يستغفرنى ، وظاهر هذا الحديث الربانى أوسع لانه يفيد قبول التوبة ، ولو غرغر ، ما دامت فيه روحه ، ولو عاين أمرًا من الآخرة أو ملك الموت ، والجواب أنه إذا غرغر لم تبق فيه قدر ما يتوب ، وقيلك تبقى قدر ما يتوب لكن لا تقبل ، وعن بشير بن كعب والحسن: أن النبى A قال: