{ ها أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } : { ها } حرف تنبيه ، نبههم الله جل جلاله على حماقتهم في جدالهم ، فيما لا علم لهم به ، وقيل: أصله أأنتم على الاستفهام التعجيبى من حماقتهم ، أبدلت الهمزة هاء ، ووسطت الألف بين همزة الاستفهام ، وهمزة أنتم للفصل بينهما ، كما هو مذهب قالون وهشام وأبى عمرو يقرآن في الهمزتين المفتوحتين ، إذا تلاصقتا في كلمة واحدةن وكان نافع وأبو عمرو يقرآن ها أنتم حيث وقع بالمد من غير همز ، وورش أقل مدا ، وقنبل بالهمزة من غير ألف بعد الهاء ، والباقون بالمد والهمز ، والبزى يقصر المد على أصله . قال أبو عمرو الأندلسى الدانى: الهاء على مذهب أبى عمرو وقالون وهشام يحتمل أن تكون للتنبيه ، وأن تكون مبدلة من همز ، وعلى مذهب قنبل وورش لا تكون إلا مبدلة ، وعلى مذهب الكوفيين والبرى وابن ذكوان لا تكون إلا للتنبيه ، وميز بين المنفصل والمتصل في حروف المد ، لم يزد في تمكين اللألف ، سواء حقق الهمزة بعدها أو سهلها ، ومن جعلها مبدلة ، وكان ممن يفصل بالألف ، زاد في التمكين ، سواء حقق المزة ، أو ليها ، وهذا كله مبنى على أصولهم ، ومحصل من مذاهبهم ، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره أشار إليهم باعتبار شهرتهم بالحماقة ، كأنه قيل: ها أنتم هؤلاء الحمقى ، كما تقول لرجل: أنت هو ، أو أنت ذلك ، أى المشهور بكذا ، وبين حماقتهم بقوله { حاججتم فيما لكم به علم } مع محذوف دل عليه { فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم } : تقديره حاججتم فيما لكم به علم ، وفيما ليس لكم به علم والذى لهم به علم هو ما في التوارة والإنجيل ، اللذين من الله . وجدالهم به: زعمهم أنهما دين إبراهيم ، وأن دينه يخالف لدين محمد فقد أخطأوا أيضًا في جدالهم فيما لهم به علم ، إذ زعموا أنه دين إبراهيم لأن دين إبراهيم هو دين محمد A ، لا ما خالفه مما هو في التوراة والإنجيل ولأنه ليس في عصرهم يسمعون منه ، ولإقامة الحجة لهم بذلك ، والذى ليس به علم هو شريعة إبراهيم ، مما ليس في التوراة ، ولا جاءت به رسلهم ، ويحتمل أن يكون ما لهم به علم ما يزعمون ، أنه حق من كتبهم ، وليس من الله فهو علم على ادعائهم لا تحقيقًا . قال الحسن: ما لكم به علم ما في زمانكم وأدركتموه وقيل: الذى لهم به علم هو أمر نبينا محمد A ، لأن أمر بعثته وبيان نعوته مذكور في كتبهم ، فهم يجادلون في أمره مع علمهم به ، وما ليس لهم به علم ، هو دين إبراهيم ، وما ذكرته أولا هو ما عليه قتادة والسدى والربيع بن أنسن وجماعة كثيرة .
و { حاججتم } مستأنف أو خبر ثان ، أو هو الخبر { هؤلاء } منادى لمحذوف ، إذا قلنا بجواز حذف حرف النداء مع اسم الإشارة ، وقال الكوفيون بجواز أن يكون هؤلاء اسما موصولا ، وحاججتم صلتهن أى: ها أنتم الذين حاججتم ، وبه: متعلق بعلم بعده في الموضعين وباوه للإصاق ، أو متعلق بما تعلق به الجار قبله ، والباء ظرفية .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ } : حقيقة ما حاججتم فيه .
{ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } : أنتم جاهلون به ، أو من شأنكم الجهل مطلقًا