فهرس الكتاب

الصفحة 2604 من 7680

{ التَّائبونَ } أى هؤلاء البائعون هم التائبون ، فهو خبر لمحذوف على المدح ، ويدل له قراءة ابن مسعود ، وأبىّ التائبين بالياء ، نصبا بمحذوف على المدح ، أى أعنى أو جرى على أنه نعت المؤمنين ، وكذا هو في مصحف ابن مسعود ، وقيل: هو بدل من واو يقاتلون ، وأجاز الزجاج كونه مبتدأ محذوف الخبر يقدر بعد تمام الأوصاف هكذا من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا ، لقوله سبحانه وتعالى: { وكلاًّ وعد الله الحسنى } ويجوز كونه مبتدأ خبره ما بعده ، وما بعد ذلك أخبار متعددة ، أى التائبون من الكفر والمعاصى على الحقيقة هم الجامعون للعبادة والحمد ، وما بعد ذلك ، وقيل: خبره الآمرون والتوبة باحتراق القلب على المعصية ، والندم والعزم على تركها ، وخوف العقاب ، ورد المظالم إن كانت عن المظلمة ، وعلى الوجهين الأخيرين لا يكون ذلك في خصوص البائعين ، وعلى ما قبلهما يكون في خصوصهم ، فلا يدخل في البعدية إلا من جمع هذه الصفات ، أو ما تعين عليه منها .

وسأل رجل الضحاك عن قوله سبحانه وتعالى: { إن الله اشترى } الآية وقال: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل ، فقال الضحاك: ويلك أين الشرط { التائبون العابدون } الآية وقول الضحاك هذا صواب ، وقال بعض قومنا: إنه تشديد ، وإن الشهادة ماحية لكل ذنب إلا مظالم العباد ، وإنه روى أن الله تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ، وذكر بعضهم أن المراد التوبة من كل معصية ، ومما الأولى خلاف ، والرجوع من حال إلى ما هو أحسن .

{ العَابدُونَ } المتقربون إلى الله بالفرض والنفل بإخلاص .

{ الحَامِدُونَ } الذاكرون الله في السراء والضراء بأوصافه الحسنى ، قال رسول الله A: « قضى الله خيرا لكل مسلم إن أعطاه شكر ، وإن ابتلاه صبر » أو الشاكرون الله على النعم ، والأول أظهر ، وفى الحديث: « أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء » .

{ السَّائحونَ } قال ابن مسعود وابن عباس: الصائمون ، وكذا فسره رسول الله A ، وروى: « سياحة أمتى الصوم » وعن الحسن السياحة كثرة الصوم ، وذلك أن في الصوم ترك اللذات كالسياحة ، ولأنه رياضة نفس ، وتهذيب لها ، فيوصل إلى خفايا الملك والملكوت ، كما أن السائح يلقى أنواع ضر فيصبر ، والعلماء والصالحين فيستفيدوا عجائب فيتفكر وتعود عليه بركة ذلك كله ، وقد قال بعضهم: السائحون الجائلون بأفكارهم في قدرة الله وملكوته وهو حسن .

قال معاذ بن جبل: اقعد بنا نؤمن ساعة نفكر فيزداد إيماننا ، ويترك الشهود تنفتح الحكمة والأنوار ، قال رسول الله A: « من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين في عالم جلال الله ، المنتقلين من مقام إلى مقام ، ومن درجة إلى درجة ، ولا يتأتى الإخلاص مع تتبع اللذات » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت