{ وإمَّا } إن الشرطية وما المؤكدة أبدلت النون ميما وأدغمت { ينْزِغنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ } ينخسنك بالوسوسة في قلبك ، شبهها بنخس الدابة ، ففى بنزغ استعارة تبعية تصريحية ، وقلَّ ما يستعمل النزغ إلا في فعل الشيطان ، وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة يكون ، ومن الشيطان أدنى وسوسة ، وقيل: النزغ حركة فيها فساد ، ومنه قوله A: « لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده » على أن النزغ في يده حقيق ، وبه أشار إلى أخيه بالسلاح ، لكن يحتمل الوسوسة في القلب ، وأوقعه على اليد لظهور أثرها في البلد .
{ نَزْغٌ } بأن أمرك بخلاف ما أمرت ، وقيل: المراد التأثير الغضب ، وكانت اكفرة تواجهه بما يغضبه ، وقد روى أنه لما نزل: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال: « فكيف في الغضب يا رب » فنزل: { وإما ينزغنك من الشيكان } إلى { عليم } وإنما أسند النزغ إلى نزغ مبالغة ، كقولك جد جده بضم دال جده ، وصام صومه بضم ميم صومه .
{ فاسْتَعِذْ باللهِ } اعتصم به أن يدفعه { إنَّه سَميعٌ } لدعائك مطلقا ، أو لاستعاذتك ، أو باقوال من آذاك { عَليمٌ } بحالك ، أو بما فيه صلاحك فيوفقك إليه ، أو بافعال من يؤذيك فيعاقبه عليها ، معينا لك عن الانتقام ، ومتابعة الشيطان ، واستدل ابن القاسم بالآية على أن الاستعاذة عند القراءة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وليس كذلك ، بأن قوله: إنه سميع عليم كلام آخر تعليل لأمره بالاستعاذة وبقوله قالت النكَّر ، وقد روى أن جبريل نهى النبى صلى الله عليه عنه وإنما يقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما يتبادر من قوله D: { وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ولو سلمنا أن آية هذه السورة تدل على ما قال النكَّار وابن القاسم ، من أن كيفية الاستعاذة ما ذكر لم نسلم ذلك عند القراءة ، لأن هذه في نزغ الشيطان .
ولا دليل في الآية ، على أن الأنبياء غير معصومين ، لأنه جاء النزغ على طريقة العرب في الشك بإن الشرطية ، وقد علم أنه لا ينزغه الشيطان ، وإنما قال ذلك تأكيدًا كما قال: { لئن أشركت ليحبطن عملك } وقد علم أنه لا يشرك أو تعليما للغير ، أو الخطاب للإنسان مطلقا ، أو لأنه ولو نزغه لا يتبعه في نزغه ، فالعصمة عن قبول الوسوسة لا عنها وهو الأظهر ، وفى الحديث: « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن يلم بشر ، وقرينه من الملائكة يلم بخير » قالوا: فأنت؟ قال: « وأنا لكن أعاننى الله عليه فأسلم » بفتح الميم أى آمن بالله على اختيار عياض وهو المختار عندى ، أو بضمها أى فأنجو من كيده ، واختاره الخطابى فلا يأمرنى إلا بخير ، وهذا دليل على ما اخترت ، لأن الأمر بخير فقط إنما يترتب على الإسلام ، ويتسبب عنه لا على السلامة وعنها ، إلا إن جعلت الفاء تعليلية لا سببية ، أى فأنجو لأنه لا يأمرنى إلا بخير .
قال عياض: أجمعت الأمة على عصمة النبى A من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه ، ويبطل ادعاؤه الإجماع بما قال لعض العلماء أنه ألقى الشيطان على لسانه في شأن الأصنام: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتها لترتجى ، وتأتى قصة ذلك إن شاء الله ، والخلاف فيها .