فهرس الكتاب

الصفحة 2797 من 7680

{ قالَ لا تثْريبَ عَليْكم اليومَ } لا تعبير اليوم ، ولا توبيخ ولا تمزيق عرض وإذهاب ماء وجه ، فضلا عن سائر الأيام بعدن قال A: « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثربها » أى لا يعهيرها بعد إقامة الحد ، وأصله تفعل من الثرب وهو الشحم الذى يغشى الكرش ، والتشديد للإزالة ، يقال ثربت الكرش أى زلت ثربه ، كقولك: قردت البعير ، إذا أزلت قراده ، وجلدت الشاة أزلت جلدها ، فاستعير هنا لنحو التعبير مما فيه إزالةحسن العرض ، وإزالة ماء الوجه ، والوقف عندى على اليوم ، وعلي الجمهور وهو الصحيح ، وعليه الطبرى وابن إسحاق يتعلق بما يتلعق به عليكم وما بعده ، تبشيرا ودعاء .

وقيل: الوقف على عليكم فيتعلق بقوله: { يغْفرُ الله لكُم } ما فعلتم بى ، ولا يؤاخذكم عليه ، ويضعفه أنه دعاء بالغفران ، وتعليق اليوم به يقتضى أنه إخبار إلا أن يقال: المراد: اللهم اغفر لهم اليوم ، أو علم بالغفران اليوم بالوحى ، والمراد باليوم مقابل الليل ، أو ما استقبل من الزمان بعد توبتهم ، فقد روى أنه ما غفر الله إلا بعد سنين .

{ وهُو أرْحم الرَّاحمينَ } يغفر الكبائر والصغائر ، ويتفضل على التائب ، قال الزمخشرى ، يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ، ونحن نستحى منك لما فرط منا فيك ، فقال يوسف: إن أهل مصر ، وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إلى بالعين الأولى ، ويقولون سبحان من بلغ عبدًا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم ، وعظمت في العيون حين علم الناس أنكم إخوتى ، وأنى من حفدة إبراهيم انتهى .

ولما عرفهم يوسف بنفسه ، وتم لهم المرام قال لهم: ما حال أبى؟ قالوا: ذهب بصره بكثرة البكاء عليك فقال: { اذهبوا بقَميصِى هَذا } وهو قميص من الجنة ، كسى به إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار ، توارثه بنوه حتى كان عند يعقوب ، فجعله في قصبة من فضة ، وجعلها في عنق يوسف مخافة العين كما مر ، وأخرجه منها جبريل حين ألقى في الجب فألبسه إياه كما مر ، ولا يقع على سقيم أو مبتلى في جسده إلا عوفى لوقته ، قال عياض: هذا يحتاج إلى سند ، والظاهر أنه قميص يوسف كسائر القميص أنتهى .

{ فأقُلوهُ عَلَى وجْه أبى يَأتِ } يصير { بَصيرًا } أو يجئ إلىَّ بصيرا لا أعمى ، علم أنه إذا ألقى على وجه كان بصيرا من الوحى ، وكان فيه ريح الجنة ، أو من التجريب كما أعطى زليخا منها خيطا فرجعت بصيرة ، أو من العقل ، فإن عماه أو ضعف بصره كان من كثرة الحزن والبكاء ، فإذا اتصل بقميصه انشرح صدره فيزول الضعف من الجسد والعينين ، وخصّض القميص إما على أنه من الجنة فواضح ، وإما على أنه من الدنيا فلأنه يلى جسده أكثر مما يليه الخاتم لصغره ، والعمامة لتراكمها ، ويدل على أن المراد يجئ إلىَّ بصيرا قوله:

{ وأتُونى بأهْلكُم أجْمعينَ } وعدة أهلهم سبعون إنسانا فيما قال الحلبى ، وثلاثة وسبعون فيما قال مسروق ، وذلك ما بين رجال ونساء وأطفال ، وبُلَّغ وأحرار ، وموال وعبيد ، والذاهب بالقميص يهودا ، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطخا بالدما إليه ، فأفرحه كما أحزنته ، فحمله حافيا منكشف الرأس ، مسرعا من مصر إلى كنعان ، مسيرة ثمانين فرسخا ، ومعه سبعة أرغفة ، ولم يستوف أكلها حتى أتى أباه ، ورافقه العبد الذى باعه يعقوب عليه السلام ، وذلك انه لما ماتت راحيل أم يوسف عليه السلام ، اشترى يعقوب جارية لرضاع بنيامين ، وكان لها ولد رضيع ، ففرق يعقوب بينهما وباعه ليكون اللبين كله لبنيامين ، فبكت وقالت: يا رب اللهم كما فرق بينى وبين ولدى ففرق اللهم بينه وبين ولده الذى يحب ، ولا يصل إيله حتى يصل إلى ولدى ، فهتف بها هاتف: لا حزنى واصبرى ، فقد استجاب الله لك كما طلبت ، واسمه البشير ، واشتراه يوسف من بعض التجار ، فكان يرسله إلى البلاد ولا يعلم به ، وكتب الكاتب إلى أبيه ولفَّه في القميص ، فأعطاه ليهودا وذهب معه البشير ، قال رسول الله A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت