{ وجَاءُوا عَلى قميصِهِ } متعلق بمحذوف حال من دم ، ولا يقاس ذلك ، لأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور بحرف غير زائد ، وأجاز ابن مالك قياسه كالفارسى ، وابن كيسا ، وابن برهان ، وابن ملكون ، وبعض الكوفيين ، قال ابن مالك في شرح التسهيل: هو الصحيح ، انتهى ، وعلى كل حال فتخريج الآية عليه أنسب المعنى ، وأسلم من التكلف ، ويجوز كون على بمعنى مع فتعلق بمحذوف حال من الواو ، أو بجاءوا على الأول تكون الباء في قوله:
{ بدمٍ } بدلا من همزة التعدية متعلقة بجاءوا بمعنى مع متعلقة بمحذوف حال من الواو ، وبجاءوا على الثانى ، تكون بدلا من الهمزة متعلقة بجاءوا بمحذوف حال من قميص ، ويجوز كون الباء متعلقة بكون خاص هو الحال من قميص أيى ملطخا بدم .
{ كَذبٍ } وصف بالمصدر مبالغة ، كأنه نفس الكذب كقوله:
* ... فهن به جود وأنتم به بخل
فجعلهن نفس الجواد ، وجعلهم نفس البخل مبالغة ، أو يأول باسم مفعول أى بدم مكذوب فيه ، أو يقدر مضافا أى ذى كذب ، أو هو صفة مبالغة لا مصدر ولو قل مثله ، وقرئ كذبا لنصب على الحال بأحد تلك الأوجه من كونه مصدرا مبالغة ، أو مؤلا بالوصف كلن باسم الفاعل هنا ، أى كاذبين ، أو كونه بتقدير مضاف ، أى ذوى كذب ، أو كونه صفة مبالغة ، وأجيز كونه مفعولا لأجله ، وإنما وصف الدم بأنه كاذب لأنه ليس دم يوسف كما قالوا ، وقاراءة عائشة كذب بإهما الذال ، أى طرح وقيل: كدر ، واختاره بعض .
وقال ابن جنى أصله البياض الخارج على أظفار الصغار ، شبه به الدم اللاصق على القميصن وفى رواية أنهم لم يجيئوا أولا بقميصه إليه بل أمسكوه عندهم حتى ، قال: ماعلامة ذلك؟ فأخرجوه إليه ، وقيل: لما قالوا له: { إنَّ ذهبنا نستبق } الخ قال لهم: أرونى قميصه ، فأروه إياه فقال: والله الذى لا إله إلا هو ما رأيت ذئبا أحلم من هذا لم يخرق له قميصا ، ولم يشق له جيبا ، وصاح صيحة وخر مغشيا عليه ، فلم يفق إلا بعد ساعة طويلة ، فلما فاق بكى بكاء شديدا ، وأخذ القميص يشمه ويضعه على وجهه وعينيه .
قال الشعبى: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: لما جاءوا به إلى أبيه وقالوا: أكله الذئب: فقال: لو أكله لشق قميصه ، وحيث سعى نحو الباب فقدت زليخا قميصه من خلف ، فعلم العزيز أنه لو راودها لكان الشق من بين يديه ، وحيث ألقى على وجه أبيه فارتد بصيرا ، وكل قميص غير الآخر .
وعن ابن عباس: لما أعطوه القميص بكى ، ثم أمله فلم ير به خرقا ولا أثر ناب ، استدل على كذبهم فقال: متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه ، وذلك أنهم غفلوا أن يمزقوه .