{ وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أنفُسَهُمْ } : يخونونها بالمعاصى خيانة كثيرة أو عظيمة ، فان الاختيان افتعال من الخيانة للتأكيد ، والمراد طعمة وأمثاله أو طعمة وقومه المجادلون عنه ، أو كل مختان ، ومن خان غيره فقد خان نفسه ، لأن عقاب خيانته لغيره لازم له ، فيدخل من خان ومن خان نفسه ، وارادة قوم طعمة ومعه على أنهم خانوا في تبرئتهم اياه ، وقد عرفوه سارقا ، أو على أنهم تعمدوا رمى اليهودى ليبرأ طعمة ، ويجوز أن يكون سمى من خان غيره خائنا لنفسه تشبيها للمعصية بخيانة النفس بجامع فعل المحرم ، وتمهيد العقاب ، وأما أن يقال ذلك من مجاز الأول فلا يصح ، ولو قيل به لأنه ليس الاختيان آيلا ، بل واقع الآن ، وانما الآيل العقاب ، والخيانة غير العقاب ، بل سببه .
{ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } : مبالغا في الخيانة والاثم ، كما كان طعمة وغير المبالغ كذلك بدليل تحريم المعاصى كلهان فانه تعالى خلق المعصية وأبغضها ، وأبغض من يفعل الكبائر منها ، ويحتمل أن يراد بالمبالغة هنا الاصرار فيعم أى لا يحب المصر على الخيانة والاثم ، وما كان اثما كان خيانة ، وما كان خيانة كان اثما ، وذلك كله في طعمة المبالغة بالاصرار ، وكثرة صدور الذنوب والخيانة منه ، ولذلك فضحه الله .
قيل: اذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات ، ويروى عن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه يا أمير المؤمنين ، فقال: كذبت انه لا يؤاخذ عبده في أول مرة .