{ ومِنَ النَّاس } : أراد الناس إجمالا المشركين والمؤمنين ، ومن للتبعيض ، والبعض المتخذ أندادا مشركون لا مؤمنون ، ويجوز أن يريد الناس المشركين لأن بعض المشركين لا يتخذ أندادا ، وإشراكه إنما هو من جهة إنكار الله سبحانه أو نبى أو كتاب .
{ مَنْ يَتَّخذُ منْ دُون اللهِ أنْدادًا } : أى أصنامًا يسمونها أندادا ، لأنها تعدل الله D سبحانه وتعالى في زعمهم الباطل ، وأسماها الله بذلك باعتبار اعتقادهم فيها ، لأنها تفعل لهم أشياء كما يفعل الله ، ويترك الله بها بعض ما أراد بهم . والند المثل المقاوم والمنازع ، وقيل أندادا رؤساء من رجالهم يطيعونهم ، في معصية الله D ، وسماهم أندادا باعتبار مقتضى اتباعهم ، وترك ما أمر الله D ، وسماهم أندادا باعتبار مقتضى ابتاعهم ، وترك ما أمر الله عز وعلا ، كأنهم أمثال الله مقاومون له قادرون قدرته ، حتى أساغوا لأنفسهم طاعتهم ومعصية الله ، أو باعتبار هؤلاء الرؤساء في الأمر بمعصية الله ورضاهم بها ، كأنهم مقاومون له تعالى ، ويحتمل عندى وجه آخر هو أن الله جل وعلا شنع عليهم في اتخاذهم أندادًا من جنسهم ، كما شنع عليهم في اتخاذ الأصنام مما هم خير منهم ، ويدل لهذا الاحتمال والقول قبله قوله تعالى { إذ تبرَّأ الذين اتَّبعُوا من الذين اتُّبعوا } وبقوله: ( يحبُّونهم ) بضمير العقلاء الذى هو: هم ، الذى أصله أن يكون للعاقل تحقيقًا لا للعاقل تنزيلا ، ويجوز أن يراد بالأنداد الأصنام والرؤساء معًا وما يشغل عن عبادة الله D . قال مجاهد الأنداد الأوثان ، وهو مثل تفسيرى له بالأصنام .
{ يحبُّونَهم } : الواو ضمير من باعتبار معناه ، وقد اعتبر لفظه في قوله: ( يتخذ ) والهاء للأنداد وهم عقلاء لأنهم الرؤساء ، أو لهم وللأنداد تغليبًا أو تنزيلا للأنداد من الأصنام منزلة العقلاء ، أو للأنداد وتنزيلا كذلك ، والحب ميل القلب إلى الشئ ومناسبته والرغبة فيه ، وهو نقيض البغض ، وسمى بذلك حبًّا بضم الحاء أخذا من لفظ الحَبة بفتح الحاء ، وهى نفس القلب ، لأن الحب بالضم ميل القلب أو أخذًا من حبة القلب وهو الجزء الذى هو أدخل وأدق فيه ، لأن الحب أصابه ورسخ فيه ، ويحتمل أن يكون الحب بمعنى التعظيم والطاعة ، وساغ ذلك لأن الحب سبب للطاعة والتعظيم في الجملة .
{ كَحبِّ الله } : أى كحب المؤمنين الله ، فالحب مصدر مضاف لما هو مفعول اصطلاحًا وهو لفظ الجلالة بعد حذف الفاعل ، وهو المؤمنون ، ووجه الشبه الاجتماع في الحب ، أحب المشركون الأنداد كما أحب المؤمنون الله ، جل وعلا ، لا المساواة في الحب ، فإن المؤمنين أشد حبا لله ، والدليل على فاعل المصدر الذى هو المؤمنون أن الحب الحقيق المتبادر هو حب المؤمن به المطيع له إياه ، لا حب الكافر فلا لبس ، وكذا إن قلنا: إن الحب مصدر للمبنى للمفعول ، لأن الفاعل أيضًا هو المؤمنون ، ويجوز أن يراد كحب هؤلاء المشركين الله ، فحذف فاعل المصدر وهو المشركون ، أو المصدر من المبنى للمفعول والفاعل هو المشركون كذلك ، ووجه ذلك أن المشركين لا يخلون من حب الله حبا ما لأنهم يقرون بوجوده ورزقه ، كأنهم يحبونهُ ويتقربون إليه بالأنداد ، فيجمعون في قلوبهم حب الله وحب الأنداد ولو تفاوتا عندهم ، أو يسوون بينه وبينها في الحب حتى إذا اضطروا أخلصوا لله تعالى ، كما قال الله تبارك وتعالى: