فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 7680

{ وإنَّما يأمركُم بالسّوء والفَحشاء وأن تقُولوا علَى اله مالا تعلمونَ } بيان لعداوته ووجوب التحرز عن اتباعه ، وهو أيضا بيان لظهور عداوته ، فإن من يأمرك بالسوء والفحشاء والقول بما لا تعلم ، ولا يأمرك بخير اصلا لا تخفى عداوته ، بل هى ظاهره فإن الشيطان يأمر بما يسوء الإنسان ويضره ويغم قلبه في الدنيا كالآخرة ، وبما يفحش أى يقبح فهو يقبح على الفاعل وينقص منه ويعير به في الدنيا كالآخرة ، وقد ينصح إلى ذلك قطع يده أو جلده أو رجمه ونحو ذلك من الحدود ، وهى أمر ضار وبأن يقول ما لا يعلم ، فإنه ضرر في الدنيا كالآخرة ، كالبهتان وتصديق القائل بلا بينة ، وتحريم ما حل ، ونحو ذلك ألا ترى أن ضرر البهتان الجلد حيث يجب والتغرير والأدب والحبس والنكال بحسب الحال والنظر ، وقد يوقع ذلك في ضمان المال والنفس وكذا تصديق القائل بلا بينة ، وكذا تحريم ما حل ففيه تضييق الواسع . وفيه الحجر على الناس فيأخذ من كسر الحجر الباطل فيضره ، فقد يؤخذ منه ثأر ضرره فذلك ونحوه ضرر ظاهر ، فقد ظهرت عداوة من يأمرك به ، ثم إنه لا مفى أن أمر الشيطان هو وسوسته وتزيينه ، وأنه يطلب الفعل ، فإن قلنا: إن الطلب أو الإخبار بغير اللسان المسموع كالإشارة والرشوة كلام حقيق في اللغة ، فالأمر حقيق . وإن قلنا: إنه كلام مجازا في اللغة كالإصطلاح ، ففى يامر استعارة تصريحية تبعية شبه تزينه ووسوسته وبعثه إلى الشر يأمر باللسان المسموع بجامع الدعاء إلى الشئ ، فاشتق منه يأمر ، وفيه تشنيع عليهم بكونهم مأمورين للشيطان ، وبأن وسوسته الضعيفة أثرت فيها كالنطق الصحيح الصريح ، وقيل الأمر حال الكهانة فهو حقيقة أيضًا ، ولك أن تقول المراد عموم الدعاء إلى الشر بقطع النظر عن كونه في الكهانة ، أو كونه بالوسوسة ، وكونه حقيقة أو مجازًا ، فهو حقيقة أيضًا ، والسوء والفحشاء شئ واحد ، وهو المعاصى ، ولكن عطفهما كالمتغايرين باعتبار الوصفين ، فإن المعصية من حيث إنها تسوء صاحبها وغيره دنيا وأخرى ، تسمى سوءًا ، ومن حيث إنها قبيحة تسمى فحشاء ، كأنهُ قيل يأمرهم بشئ يسوء ويقبح ، وجمعهما مع القول بغير علم ، وهو عام في كل قول بلا علم إشارة إلى القوى الثلاث ، فإن السوء وهو الإضرار يتولد من إفراط القوة الغضبية ، والفحشاء تتولد من إفراط القوة الشهوانية ، والقول بلا علم يتولد من إفراط القوة النطقية ، لشوب العقل بالوهم الذى سخره الشيطان . . وقيل: السوء الإثم الصغير والكبير الذى يسوء فاعله ويخزيه ، والفحشاء الكبيرة التى ظهر قبحها أو اشتد قبحها ، والسوء قبيح أيضًا ، لكنه دون الفحشاء ، أو لم يظهر قبحه للعامة وسواء في ذلك القول والفعل والاعتقاد . وعن ابن عباس رحمهما الله تعالى: السوء مالا حد فيه ، والفحشاء ما فيه الحد ، وقيل الفحشاء الزنى ، وقيل ما تفاحش ذكره ، وقيل البخل ، قيل: وأصل الفحش قبح المنظر ، ثم استعمل فيما يستقبح ، والشرع عندنا وعند الجمهور هو الذى يحسن ويقبح ، وبهذا الاعتبار نقول: كلما نهى عنه الشرع فهو فحشاء إذا كان نهى تحريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت