{ تُسِّبحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ والأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } عن الشركة والحدوث وتوابع ذلك والمراد بمن فيهن الملائكة والإِنس والجن ويحتمل أن يراد به من ذكره وغيره تغليبًا للعاقل ، ويحتمل أن يكون المراد يسبح له من في السماوات والأَرض ، فأَسند التسبيح إِلى السماوات والأَرض أيضًا أولا للمبالغة لا حقيقة ويدخلن بالحقيقة فيما بعد كما إِذا بالغت في حب علم زيد قلت: زيدًا وعلمه وأنت تريد أحب علمه . { وَإِن مِّن شَئٍْ } إِن نافية ومن صلة للتأْكيد وهذا تعميم بعد تخصيص فإِن الشئ يشمل ذلك كله وغيره كسائر الأَرضين وما تحتهن والعرش والكرسى وغير ذلك ويحتمل أن يراد بالأَرض جنس الأَرض ، فتشمل سبع الأَرضين ويحتمل أن يراد بالشئ خصوص غير ما ذكر قبله { إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } ينزه الله ملتبسًا بحمده عن الشركة والحدوث وجواز الوجود ، والمراد التسبيح بلسان الحال في حق العاقل وغيره من الحيوان والجماد كالسماوات والأَرض والجبال والشجر فإِن كل شئ يدل بكونه ممكنًا وحادثًا ومتغيرًا ومركبا وعاجزًا على الخالق القديم الواجب الوجود . قال الأَندلسى المذكور آنفًا:
وفى كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبى أنه لك عابد
ويجوز أن يكون المراد التسبيح بالنطق والصوت فإِن غير الحيوان قد يخرج منه صوت أو كلام إِذا أراد الله ، وقد يخرج منه بالتقائه مع غيره كحجر مع آخر وصرير الباب ونقيض السقف ، فانظر الريح كيف يصوت ، وذلك كله تسبيح ، ويمكن أن تتكلم الأَشياء ولا يسمعها أحد . قال ابن مسعود: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . وروى جابر بن سمرة عنه - A - أن بمكة حجرًا كان يسلم على ليلى بعثت إِنى لأَعرفه الآن . رواه مسلم ، قال على كنت مع رسول الله - A - بمكة فخرجنا إِلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إِلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله ، أخرجه الترمذى ، وقال: حديث غريب . وروى البخارى عن جابر بن عبد الله كان في مسجد رسول الله - A - جذع في قبلته يقوم إِليه رسول الله - A - في خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله - A - فوضع يده عليه ، وفى رواية صاحت النخلة صياح الصبى فنزل النبى - A - حتى أخذها فضمها فجعلت تئِن أنين الصبى الذى يسكت حتى استقرت . قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر وقد تكلم البعير والظبى وغير ذلك مما يطول عده واختار بعضهم هذا وضعف الأَول ، وأما الحمل على تسبيح اللسان النطق فيما له لسان ، وتسبيح لسان الحال فيما لا لسان له ، فإِنما هو على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وأجاز بعض أيضًا استعمال الكلمة في معنييها الحقيقيين ويجوز أن يراد بالتسبيح مطلق التعظيم الخضوع واختار بعضهم الأَول واعلم أن الآية عمت أن الأَشياء كلها تسبح ، وهنا بحثان الأَول: التحقيق عندى أن تسبيحها قد يتفق وقد يختلف وأخذ بعض بظاهر اللفظ ، فقال إِنها تقول سبحان الله وبحمده ، وليس كذلك فإِن الآية أفادت أن الأَشياء تنزه الله سبحانه وتعالى وتحمده فتصدق على التنزيه بأَى لفظ كان وعلى الحمد بأَى لفظ كان ، الثاني: أن الأَشياء كلها تسبح على الإطلاق كما هو ظاهر الآية ، وقال الشيخ هود C عن الحسن: إِن الجبال يسبحن فإِذا قطع منها شئ لم يسبح المقطوع وكذلك الشجرة ما قطع منها لم يسبح ، وزعم بعض أن التراب يسبح فإِذا ابتل لم يسبح ، وإِن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإِذا سقطت تركت التسبيح ، وإن الماء يسبح ما دام جاريًا فإِذا ركد ترك التسبيح وأن الثوب يسبح ما دام جديدًا فإِن توسخ ترك التسبيح ، وإن الطير والوحش تسبح فإِذا سكنت تركت التسبيح .