فهرس الكتاب

الصفحة 2217 من 7680

{ ولمَّا سَكتَ عَن مُوسَى الغَضَب } أى سكن باعتذار هارون أو بتوبتهم أو بهما ، شبه سكون الغضب بعد هيجانه بالسكوت بعد التكلم ، بجامع أنه كلام بعد وجود وإمساك بعد شروع ، فسمى السكون باسم السكوت ، واشتق سكت بمعنى سكن على طريق الاستعارة التبعية التصريحية ، أو شبه الغضب بإنسان متكلم يقول: قل لقومك كذا ، وألقى الألواح وجرّ أخاك إليك برأسه ولحيته ، ثم ترك القول ، وذلك تشبيه مضمر على طريق الاستعارة المكنية والسكوت رمزًا واستعارة تخيلية ، فعلى الوجه فقد جعل الغضب كالاغراء لموسى والأمر له بإسكان الميم ، وعلى الثانى بقسميه جعل كالمغرى له ، والأمر بالمد وكسر الميم ، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة والبلاغة ، مع أن الاستعارة مطلقا مبنية على المبالغة بجعل المشبه من جنس المسبه به مبالغة وادعاء .

هذا ما ظهر لى في الآية ، ثم رايت بعضه لجار الله ، والقاشى ، وشيخ الإسلام ، والسكوت مصدر لسكت بمعنى ترك التكلم ، ولسكت بمعنى سكن ، وقال الزجاج: إن مصدر هذا سكت بفتح السين وإسكان الكاف ، يقتضى أن سكت بمعنى سكن حقيقة وفعل على حدة ، وقيل ذلك من القلب ، أى سكت موسى عن الغضب ، كقولك: أدخلت الخاتم في أصبعى ، والصل أدخلت أصبعى في الخاتم ، وحكاه بعضهم ، وتوهم أنه لا استعارة فيه ، وأنه حقيقة ، وليس كذلك ، بل هو من الاستعارة ، فإن الغضب ليس مما يسكت عنه ، وإنما يسكت عن الكلام ، وقرئ: ولما سكت بالتشديد والبناء للمفعول ، وفى مصحف حفصة: ولما أسكت بالهمزة والبناء للمفعول ، وفى مصحف ابن مسعود: ولما صبر ، وفاعل ذلك الله أو هارون باعتذاره ، أو القوم بتوبته أو هما ، قال النقاش: وفى مصحف أبىّ ولما اشتق عن موسى الغضب أى زال عنه ، وقرأ معاوية بن قرة: ولما سكن ، وليس فيهما المبالغة والبلاغة المذكورتان .

{ أخَذَ الألواحَ } ما كسر وما لم يكسر ، وقال الإمام الرازي ، هذا يدل على أن الألواح لم تكسر ، ولم يرفع من التوراة شئ اه . المشهور أنه أنكسر بعضها كما مر ورفع ما في المنكسر ، وقيل: ذهب بالانكسار ولم يتبين { وفي نُسْختها } أى ما نسخ فيها ، أى كتب كالخطبة بمعنى الألفاظ المخطوب بها ، والضحكة بإسكان الحاء بمعنى الإنسان المضحوك عليه ، ونسخ فيها من اللوح المحفوظ ، وقيل: وفيما نسخ منها أو ينسخ ، وذلك أنهم نسخوا ما في الألواح المنكسرة وغيرها على القول بأن ما في المنكسرة لم يرفع ولم يذهب ، أو نسخوا ما في غير المنكسرة على القول بالرفع ، أو الذهاب ، وعن ابن عباس: أنها انكسرت كلها فصام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فيهما ما كان في كلها .

{ هُدًى } بيان للحق { ورحْمةٌ } إرشاد إلى ما يوجب الإنعام الدائم { للَّذينَ هُم لربِّهم } اللام لام التقوية ، دخلت على مفعول الفعل من قوله: { يرْهبُون } أى يخافون لضعفه على العمل بتقدم مفعوله ، هذا هو المختار ، و عليه ابن هشام ، ويوز أن تكون تعليلية ، فمفعول يرهب محذوف أى يرهبون المعاصى لأجل ربهم ، أى لتعظيمه أو لعقابه ، ولا يصح قول بعضهم: إن المعنى لأجل طاعة ربهم ، أى لتعظيمه أو لعقابه ، ولا يصح قول بعضهم: إن المعنى لأجل طاعة ربهم ، أو خوف ربهم يرهبون العقاب والوعيد ، إلا إن أراد أن طاعة الله أو خوفه خوف إجلال كانت سببا لرهبتهم العقاب ، ولو لم يطيعوه ولم يخافوه لقست قلوبهم فغفلون عن العقاب ، فلا يتصفون برهبته ، ولا مانع من جمع الخوف خوف إجلال ، والخوف خوف عقاب ، وعن المبرد متعلق بمصدر ، والتقدير: والذين رهبتهم لربهم ، ومراده بالتعلق مجرد رجوع المعنى إلى ذلك المصدر ، فإن المصدر مبتدأ ولربهم متعلق بمحذوف خبر له لا به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت