{ قالُوا } أيها الملك لا تنكر ذلك عليه { إنْ يَسْرق } أى إن صحت سرقته فلذلك عبروا بالمضارع وهو لحكاية الحال ، والأصل إن سرق صواعك { فَقَد سَرقَ أخٌ } شقيق { مِنْ قَبلُ } وهو يوسف ، لوسنا على طريقهما في ذلك ، وعنوا بالسرقة فيما قال الجمهور ذهابه بمنطقة عمته ، وذلك أنه لما ماتت أمه راحيل أخذته عمته وأحبته حبا شديدا ، ولما ترعرع وقعت محبته في قلب يعقوب ، فأتاها وقال: يا أختاه سلمى يوسف إلىَّ ، فهو الله ما أصبر عنه ساعة واحدة . فقالت: والله ما أنا بفاعلة ، ولما غلبها يعقوب قالت: دعه عندى أياما أنظر إليه ، لعل ذلك يسلينى عنه ، ففعل يعقوب ذلك ، ولما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت الثياب وهو صغير ، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق ، فانظروا من أخفاها ، فالتمست فلم توجد فقالت: اكشفوا هل البيت فكشفوه فوجدوها مع يوسف ، فقالت والله ليسلم إلىَّ أنع فيه ما شئت ، وكان ذلك حكم إبراهيم من السارق ، فأتاها يعقوب فأخبرته بذلك فقال: إن كان فعل ذلك فأمسكيه ، فما قدر عليه حتى ماتت .
وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت تلك المنطقة لإسحاق يتوارثوها الكبر فالأكبر وهذا الذى فعلت به عمته هو أول ما دخل عليه من البلاء ، ذكر ذلك كله في عرائس القرآن عن الضحاك ، وكذا قيل عن محمد بن إسحاق ، إلا أنه لم يذكر أن هذا أول بلائه ، وتلك المنطقة من إبراهيم الخليل ، وورثها من إسحاق إذ كان أكبر ولده ، وليس إرثها كإرث المال ، لأن الأنبياء لا تورث .
وفى رواية أنه قعد عندها أربع سنين ، فبعث يعقوب إليها لترده ، فشدت منطقة على وسطه لها قيمة عظيمة ، وأرسلته إلى يعقوب وقالت: إنه سرق منطقة منى ففتشوه ففعلوا ، فوجدوها عنده ، وكان عندهم أن السارق يكون مملوكا لصاحب السرق ، فلم يلتفت يعقوب لقولها ، وعلم أنها أعطته إياها .
وفى رواية كانت تحمله من أبيه وتمسكه فيشتاق إليه يعقوب ، فيوجه إليه ويقل ذلك عليها ، ونام يوما عندها فشدت المنطقة على وسطه ، فأقامته ووجهته إلى أبيه ، وخرجت تصيح سرق يوسف منطقتى ، تريد أن تمسكه ، وقال سعيد بن بجبير ، وقتادة: لم اعثروا بالسرقة أخذ صنما لجده إلى أمه ، وكان منهذب ، وكان يجعله في جيبه لا يفارقه ، إلا ما شاء الله فكسره وألقاه في الطريق بين الحيف ، وقيل دفنه وغرضه أن لا يعبد سوى الله سبحانه وتعالى ، وكانت معه بنت جده تكره ذلك ، فأمرت يوسف بإتلافه .
وقال ابن جريج: أمرته أمه أن يتلف صنما لخاله كان يعبده ، وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب يعبدونه فدفنه ، وقال مجاهد: جاء السائل يوما فأخذه بيضة من البيت وأعطاه إياها ، وقال سفيان بن عيينة: أعطى سائلا دجاجة من البيت ، وقيل: عناقا أو دجاجة ، وقال وهب بن منبه: كان في صغره كلما وضعت مائدة بين يديى يعقوب وقعد للأكل عند إخوته أخذ رغيفا وجعل فيه الإدام وخبأة تحت المائدة ، ويعطيه فقيرًا أو سائلا .