فهرس الكتاب

الصفحة 2653 من 7680

{ فلمَّا ذهبُوا بهِ وأجْمعُوا } اتفوا أو عزموا { أن يجْعَلوهُ في غَيَابات الجُبِّ } فى تأويل المصدر معمول لأجمعوا ، على تقدير على ، أى اتفقوا أو عزموا على جعلهم إياه في غيابات الجبِّ ، أو مفعلو به كقوله تعالى: { فأجمعوا أمركم } أى اعزموه: يقال: عزت الأمر ، وعزمت عليه ، وعزم الأمر بالرفع ، وفى غيابت القراءات السابقت وجوب لما محذوف ، أى فعلوا به من الأذى بأن طرحوا قميصه بعد ضربه وإنانته وإرادة قتله ، وأدلوه ثم ألقوه قبل الوصول ، وحذف للتهويل ، وهذا أولى من جعل الجواب أجمعوا وأوحينا ، وزيدت فيه الواو .

ولما أرادوا أن يلقوه في الجب دلوه فيه ، وتعلق بشفيره ، وروى أنه تعلق بثيابنهم فنزوعها من يديه ، فتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ، ونزعوا قميصه ، فقال: يا إخوتاه ردوا علىَّ قميصى أتسر به عورتى ، ويكون لى كفنا بعد مماتى ، وأطلقوا يدى أدفع بها عنى هوام البئر ، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تأتيك ، تلبسك وتؤنسك ، وقيل: قال لهم تقية: لم أر شيئًا وقال ذلك بالمعرضة .

وإنما نزعوا قميصه ليخلطوه بالدم ، ويحتالوا به على أبيهم ، ولما بلغ نصف البئر قطعوا الحبل ليسقط فيموت ، فسقط ثم آوى إلى صخرة كانت فيها ، فيقام عليها ، وكان في الجب ماء ، قيل: أخرج الله تعالى على وجه الماء صخرة ورفعها إلى يوسف فقعد عيلها ولم يسقط كما أرادوا ، فجعل يبكى ، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم ، فأجابهم فهموا أن يرضخوه ويقتلوه بحجارة أو صخرة ، فمنعهم يهودا وقال: قد أعطيتمونى موثقا لا تقتلونه: وقيل: إنما أدلوه في دلو .

وروى أنه لما وصل قعرها قال: لهم يا إخوتاه أتدعونى فريدا ، ولما وصله أضاء له الجب ، وعذب ماؤه ، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ، قاله الحسن ، وقيل: إنه أتاه الملك جبريل بسفرجلة من الجنة فأطعمه إياها بعد ما حل يديه ، وقيل: كان يهودا يأتيه بالطعام والشراب خفية عن إخوته ، وكان إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار ، وجرد من ثيابه ، وقذف في النار عريانا قد أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، ولما مات ورثه إسحاق ، ثم ورثه يعقوب ، وإنما توارثوه لأن ذلك ليس من مال الدنيا ، وقيل تعاطوه في حياتهم ، ولما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في عودة تعلق على الإنسان ، وعلقها في عنق يوسف خوفا عليه ، قيل: وكانت العوذة من فضة .

ولما ألقى في البئر عريانا جاء جبريل بتلك السفرجلة المذكورة ، وأخرج ذلك القميص من العوذة ، وألبسه إياه ، وكان لا يلبسه صغير أو كبير إلا جاء على طوله ، وأنسه نهاره ، ولما أمسى نهض ليذهب فقال له: إذا خرجت عنى استوحشت ، فقال: إذا أصابك شئ تستوحشه فقال: يا صريخ المستصرخين ، ويا غياث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكربوبين ، قد ترى مكانى ، وتعرف حالى ، لا يخفى عليك شئ من امرى ، فلما دعا بذلك ، بعث الله سبحانه وتعالى إليه سبعين ملكا يحفون به ، ويؤنسونه في الجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت