{ قالُوا لَئِنْ أكلهُ الذِّئبُ } أى والله لئن أكله الذئب { ونحْنُ } الواو للحال { عُصبةٌ إنَّ إذًا لخاسِرُونَ } عاجزون ضعفاء تعبير ، فإن الخسران في المال مثلا يكون في الجملة لعجز وضعف في البدن ، أو في النفس والعقل ، وجملة إنا الخ جواب القسم الموطأ له بلام لئن ، مغن عن جواب الشرط ، أو يقدر له مثله ، أو معنا خاسرون مغبونون في أمره ، أو خاسرون في مواشينا بأن لا نقدر على حفظها ، أو غادرون أو ضالون في الدين ، أو مستحقون للموت ، إذ لا نفع فيهم إن كان ذلك ، أو مستحقون أن يدعو عليهم أبوهم بالهلاك والدمار .
وقالوا: يا نبى الله كيف يأكله الذئب وفينا شمعون إذا غضب لا يسكن غضبه حتى يصيح ، وإذا صاح لا سمعه حامل إلا وضعت ما في بطنها ، وفينا يهودا إذا غضب شق السبع نصفين ، فلما سمع يعقوب ذلك اطمأن إليهم .
وأقبل يوسف حتى وقف بين يدى أبيه ثم قال: يا أبت أرسلنى معهم ، فإنى رأيت منهم اللطف والدين .
قال: أتحب ذلك يا بنى؟ قال: نعم . قال: فاذهب فإذا كان الغد أذنت لك ، فلماأًبح لبس ثيابه ، وشد على نفسه منطقه ، وأخذ قضيبه ، وخرج مع إخوته ، وعمد يعقوب إلى السلة التى يحمل فيها الزاد ، فجعل فيها زاد يوسف ، وخرج يشيعهم .
قالوا: يا نبى الله ارجع ، فقال: يا بنى أوصيكم بتقوى الله وبحبيى يوسف أسألكم بالله إن جاع فأطعموه ، وإن عطش فاسقوه ، وقوموا عليه ولا تخذلوه ، وكونوا متواصلين متراحمين .
قالوا: يا أبانا كلنا كذلك ، وهو أخونا كأحد منا ، بل له الفضل علينا .
قال: يا بنى يوسف حبيبى عندكم ، مع أنى أخاف أن أكون قد ضيعته ، ثم أقبل يوسف فالتزمه وضمه إلى صدره وقبله بين عينيه ، ثم قال: استودعتك الله رب العالمين وانصرف راجعا .
وكانت زينة بنت يعقوب أخت يوسف نائمة ، فرأت في منامها كأن يوسف وقع بين ذئاب تنهشه فانتبهت فازعة مرعوبة ، ومضت إلى أبيها باكية وقالت له: ما فعلت بأخى يوسف؟ قال: أسلمته إلى إخوتك ، فمضت خلفه حتى لحقته ، فأمسكت بيوسف فقالت: لا أفارقه أبدا ، فقالوا لها: أرسليه ، فقالت: لا أفعل أنى لم أطق فراقه ، فقالوا لها: بالعشى نأتيك به ، ثم أقبل يوسف يقلب يديها ويقول لها: دعينى أسر مع إخوتى نرتع نلعب ، فتركته وجلست موضعها تشيعه بعينيها ، ودموعها تجرى ، ورجعت باكية حزينة على فراقة ، فقال لها يعقوب: لِمَ تبكين؟ فقال: ساعة أخرى تبكى أنت معى .
وروى عن رسول الله A: أنهم لما خلوا به في البرية أظهروا له العداوة ، وجعلوا يضربونه ، وذكروا أنهم كانوا يحملونه بمرأى [ من ] يعقوب على أعناقهم ، ولما غابوا عنه ألقوه على الأرض ، وأظهروا له ما في أنفسهم ، وجعلوا يضربونه إذا ضربه واحد استغاث بالآخر فيدفعه ويضربه ، وأخذوا ما زوده أبوه وأطعموه الكلاب ، وضربوه حتى كادوا يقتلونه ، وعطش عطشا شديدا فقال لهم: اسقونى درعة من ماء قبل أن تقتلونى فلم يسقوه .