{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } : أوقع الله عليهم الذلة ، وألزمها إياهم حتى صارت كشىء يضرب على شىء ، فيحيك به ، أو يلتزق به ، والذلة ضعف قلوبهم عن أن يقاوموا غيرهم في قتال ، أو شدة . وعن أن يردوا عن أنفسهم ما أصيبوا بهن وهذا لعمومه أولى من تخصيص الذلة لشىء مثل ما قيل أن الذلة قتلتهم ، وغنيمة أموالهم أصولا وعروضًا وسبيهم ، وما قيل أن الذلة ضرب الذلة عليهم لأنها ذلة وصغار ، وما قيل: أن الذلة أنه لا يرى في اليهود ملك قاهر ، ولا رئيس معتبر ، بل يستضعفون في جميع البلاد وما قيل: إن الذلة كونهم أذلاء فيما بين المسلمين ، بسبب كفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ ، والطريق المخترعة الباطلة ، ولما ذلوا بين المؤمنين ذلوا يضًا تبعًا بين غير المؤمنين ، وكان فيهم ذل عظيم قبل الإسلام ، فزادوا من بعده ذلا عظيما مستأصلا لشأنهم .
{ إيْنَمَا ثُقِفُوا } : أى وجودا ، وجواب الشرك محذوف ، تقديره: أى مكان وجدوا من دار الإسلام غلبوا وذلوا ، لا اعتصام لهم ، ولا عز دلَّ عليه ضربت عليهم الذة ، أو يقدر بلفظه أى: أينما ثقفوا ضربت عليهم الذلة ، وقيل: هو جواب مقدم .
{ إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وحَبْلٍ مَّنَ النّاسِ } : استثناء من أعم الأحوال ، أى ضربت عليهم الذلة ، في كل حال ، إلا معتصمين بعهد من الله والناس المؤمنين بالأمان على أداء الجزية ، ويجوز أن يكون حبل الله: ذمته أو كتابة الذى أتاهم ، أو دين الإسلام ، وأن يكون حبل الناس: ذمتهم ، واتباع دينهمن وقال الفخر: قال بعضهم حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس العهد والذمة . قال الفخر: هذا بعيد ، إذ لو أريد ذلك لقيل: أو حبل من الناس أو قال . وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين الأمان ، لأنه من الله بإذنه ووحيه ، ومن المؤمنين بإنقاذه لهم ، قال: وهو أيضًا ضعيف . قال: والذى عندى أن الأمان الحاصل للذمى قسمان: أحدهما الذى نص عليه ، وهو الأمان الحاصل بإعطائه الجزية عن يد ، وقبوله إياها . والثانى: الأمان الذى فرض إلى رأى الإمام واجتهاده ، فيعظم الأمان مجانًا تارة ، ويبذل زائد أو ناقص تارة أخرى على حسب اجتهاده ، واستعبر الحبل لنحو العهد والكتاب ، لأن كلا منهما سبب للنجاة والفوز بالأمن .
{ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ } : رجعوا عن الله لإعراضهم عن دينه بغضب منهن D ، من باء بمعنى رجع ، أو مكثوا في غضب من الله من قولك: تبوأ كذا ، أى اتخذه محلا ينزل فيه . والباء على الأول للمصاحبة وعلى الثانى للظرفية .
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ } : ضرب عليهم ، وسموا الفقر ضربًا شبيهًا بغحاطة البيت المضروب على أهله ، فإنهم في غالب الأمر إما فقراء وإما غير فقراء ، لكن يظهرون الفقر ويتصورون بصورة الفقراء ، وقيل: { المسكنة } : الجزية ، وبه قال الحسن .