{ قالَ يا بُنىَّ } تصغير ابن للشفقة أو لصغر سنه ، والأصل يا بنيوى بضم الموحدة وفتح النون وإسكان المثناة التحتية وهى للتصغير ، وكسر الواو بعد ياء الإضافة ، اجتمعت الياء والواو ، وسكنت السابقة فقلبت يا ءوأدغمت فيها الباء وهى التصغير ، وحذفت يا ءالإضافة لدلالة الكسرة ، وقرأ حفص هنا وفى الصصافات بفتح المثناة ، كما تقول: يا غلام بالفتح تخفيفا عن كسر ، أو دلالة على ألف منقبلة عن ياء الإضافة محذوفة .
{ لا تَقْصًص رُؤيَاكَ } : بألف التأنيث فرقا بين رؤية العام والبصر على ما مر ، وقرئ رؤياك بإبدال الهمزة واوا تمد بها الراء ، وسمع الكسائى رياك بضم الراء وكسرها وتشديد الياء وهو ضعيف ، لأن الواو في تقديره الهمزة ، فلا يقوى إدغامها .
وحقيقة الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحسن المشترك والصادقة منها ، إنما تكون باتصال النصس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فرغاها من تدبير البدن أدنى فراغ ، فيتصور بما فيها مما يليق بها من المعانى الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحسن المشترك ، فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية ، استغنت الرؤيا عن التعبير ، وإلا احتاجت إليه قاله القاضى وهو حسن جدا ، والله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان .
{ عَلى إخْوتِكَ } يهودا ورويل وشمعون ولاوى وريالون ودينه ودان ويشجر ويفثالى وجاد وأشر ، السبعة الأوى من أيا بنت خالة يعقوب ، والأربعة الآخرون من سبريتين زلفة وبلهة ، فملا توفيت تزوج أختها راحيل ، فولدت له بنيامين ويوسف ، وقيل: جمع بينهما [ لأنه ] لم يكن الجمع بين الأختين محرما في شريعته ، والمعنى لا تخبر إخوتك برؤياك لأنهم يعرفون تأويلها .
{ فَيَكيدُوا لَكَ كَيدًا } نصب الفعل في جواب النهى ، أى إن قصصتها عليهم كادوك ، يعنى يحتالوا في هلاكك لعلمهم بتأويلها ، عرف يعقوب من رؤياه أن يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة ، ويفوقه على إخوته ، ويطصفيه للنوبة: وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه ، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم ، وعدى يكيد باللام لتضمنه معنى فعل قاصر ، وهو يحتال كما ذكر ، أو يضم أو هى مثلها في نصحت لك ، وشكرت لك ، يقال: نصحتك ونصحت لك ، وكذا في شكر وكاد .
{ إنَّ الشَّيْطان للإنْسانِ عَدوٌ مُبينٌ } ظاهر العداوة أو مظهرها ، ألا ترى ما فعل بآدم وحواء فلا يقصر في تسويلهم ، وإثارة الحسد يهم حتى يحملهم على الكيد ، فما أسرع كيدهم إن قصصت عليهم ، إذ تجتمع عداوة الحسن ووسوسة العدو القديم ، واستدل بعضهم على عدم نبوة إخوة يوسف بما كادوه .
وقال ابن زيد: إنهم أنبياء ، وفعلوا ذلك قبل النبوة ، وكذلك إنما يرتعون ويلعبون قبل النبوة ، ذكر ابن جرير ، وابن المنذر ، أن أبا عمرو قيل له: كيف تقأ نرتع ونلعب بالنون وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يؤمذ أنبياءن واتفقوا على أنهم صلحاء ، واختلفوا في نبوتهم ، ولذلك ذكرهم البوصرى بالصلاح المتفق عليه ، لا بالنبوة المختلفة فيها ، إذ قال: وسمعتم بكيد أولاد يعقوب أخاهم وكلهم صلحاء أو لاختياره عدم النبوة ، والصحيح أنهم أنبياء ، لقوله سبحانه: