{ وإذا جاءتْهُم } أى رؤساء قريش المرادون بأكابر مجرميها أو كفار قريش { آيةٌ } دالة على صدق رسول الله A { قالُوا } أى رؤساء أو كفار قريش ، والقائل حقيقة رؤساؤهم { لَنْ نُؤمنَ } بمحمد وبما يقول { حتَّى نُؤتى مِثْل ما أوتىَ رُسُل اللهِ } الماضون من النبوة والرسالة ، فنكون أنبياء رسلا مثلهم ، وقال مقاتل: الآية في قول أبى جهل المذكور آنفًا ، وقال الفخر عن المفسرين في قول الوليد ، واستحسن بعض ما روى عن ابن عباس أنهم لم يطلبوا أن يكونوا رسلا ، بل المعنى حتى ينزل الله علينا جبريل يصدقك ، والصحيح الأول من أنهم طلبوا أن يكونوا رسلا ، لأنه ظاهر قوله: { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ولقوله تعالى ردا عليهم:
{ الله أعْلمُ حيثُ يَجْعل رِسالتَه } فإنهُ ظاهر في أن المعنى أنهُ تعالى أعلم ممن يتأهل لأن يكون رسولا ، وهذا إنما يصح ردًا على من يزعم منهم أنهُ أهل للرسالة ، لا على من طلب نزول الملك بتصديق رسول الله A ، أى لستم أهلا لها ، لأنكم تطلبونها ، ولأنكم أهل إجرام ومكر ، ولأنكم أهل شرك ومعاص ، ولا نبوة لأهلها ، ولأنكم مطاعون في قومكم ، فلو أوتيتموها قيل إنكم رؤساء مطاعون فاتبعكم الناس لذلك لا لصحة النبوة ، بخلاف محمد رسول الله A ، فإنه يتيم من أبيه وأمه معا ، وليست الرسالة بالمال والسن ، ولا من أجل النسب ، ومع ذلك يبعث الله الرسل من أشراف أقوامهم ، كما بعث رسول الله A ، بل بالفضائل النفسانية من حيث الدين بلا كسب لها ، أعنى بدون أن يدوم العمل فيترقى إلى رتبتها لا بقصده إليها ، ولا بدون قصده إليها ، وقيل: بالكسب بدون قصده .
وحيث مفعول لمحذوف أى يعلم ، أى يعلم يجعل رسالته ، هذا على جواز تصرف حيث إلى المفعولية ، وأن ما لم يجعل مفعولا به لأعلمن لأن أعلم اسم تفضيل ، اللهم إلا أن يقال: إنه بمعنى عالم أو عليم ، فنصب المفعول وهو حيث ، وعلى نصبه لمحذوف يكون المعنى الله أعلم بكل شئ يعلم حيث ، والأظهر أن حيث تتعلق بأعلم وهى ظرف ، أى أعلم في موضع جعل الرسالة ، أى هو أعلم في هذا المعنى ولا حصر مراد في ذلك ، بل هو أعلم في كل شئ وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: رسالته بالإفراد وفتح التاء .
{ سَيُصيبُ الَّذين أجْرمُوا صَغارٌ عنْد اللهِ وعَذابٌ شَديدٌ } سيصيب الذين أتوا الله بذنوب عظام ، ذل وحقارة وعذاب شديد بعد كبرهم مجازاة بعد مطلوبهم الذى هو العز والكرامة ، إذ حاولوهما بمعصية الله ، وتلك الإصافة بالآخرة كما قال عند الله ، أى في الآخرة عند الله ، لأن الناس يحضرون فيه للحساب ، كمن يحضر الملك للحساب ، فعند متعلق بيصيب ، وقيل: عند الله متعلق بمحذوف نعت لصغار ، وإن الإصابة في الدنيا ، فالعذاب على هذا القتل والأسر والسلب ، وفيه هوانهم وذلهم .
وقيل: يتعلق بمحذوف نعت لصغار ، وهو في الدنيا بالقتل والأسر والسلب ، والعذاب الشديد في الآخرة ، ولذلك أخره ، وقيل: إن الصغار والعذاب الشديد كليهما في الدنيا والآخرة معا ، وإن عذاب شديد في نية التقديم على عند الله ، وقيل: معنى أجرموا قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله .
{ بما كانُوا } بسبب كونهم { يمْكُرونَ } أو على مكرهم أى جزاء لمكرهم .