{ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا } يصير في الصبح أو غيره أو يصبح بعد الفجر . { غَوْرًا } يقال: ماء غور وغائر داخل في الأرض لا تقاله يد ولا دلو . وعطف { يصبح ماؤها غورًا } على قوله: { يرسل عليها حسبانًا من السماء } على قوله: { فتصبح صعيدا زلقا } المتسبب عن إرسال الصواعق لأن إرسال الصواعق لا يكون سببا لإصباح الماء غورًا .
وإن فسرنا الحسبان بغير الصواعق مما مر جاز العطف على تصبح صعيدا زلقا وقد يقال بجواز العطف عليه ولو فسرنا الحساب بالصواعق لإمكان أن تؤثر الصواعق بإذن الله في الماء بالإغارة كما تؤثر بإذنه في الشجر والنخل والنبات .
{ فَلَنْ نَسْتَطِيعَ لَهُ } أى للماء المصبح غورا { طَلَبًَا } ردّا ومعالجة في رجعه بحيلة ولا يخفى إن شاء الله ما في ذلك من المبالغة إذ جلعه غير مستطيع لنفس طلب رجع الماء فضلا عن أن يستطيع رجعه وذلك حال من لم يبق له مطمع في أمر من الأمور حتى كان طلبه كالمحال لعدم جدواه أو المراد لن تستطيع له طلبا نافعا فذلك كله من كلام المؤمن رضى الله عنه لصاحبه الكافر .
ثم أخبرنا الله الرحمن الرحيم عن الواقع من حال جنة ذلك الكافر بقوله: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } الباء للإلصاق أو بمعنى على أى أحيط على ثمرة بالهلاك أو أحيط بثمره كناية عن هلاك ثمرة ، كقولك: أحاط به العدو إذا أردت الإخبار بهلاكه لأنه إذا أحاط كان غالبا وإذا كان غالبا كان مهلكا فإن إحاطة المضرة بالشئ يلزم منها هلاكله في الجملة فاستعمل بمعنى الإهلاك والثمر ثمرات النخل والشجر والزرع أهلكت بإهلاك النخل والشجر والزرع بإرسال الحسبان من السماء وإغارة الماء كما أنذره صاحبه بتوقيع ذلك والتخويف به .
وروى أنه أرسلت على جنته نار من السماء فأَحرقتها . ويحتمل أن يراد بالثمر ماله كله من عروض وأصول كذا قيل والسياق الساق واللاحق يدلان على الأول وعلى أن المراد الأصول .
{ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } قال شيخنا الحاج إبراهيم بن يوسف ذكره الله بالصالحات فيمن عنده: إن المعنى أصبح بضع بعنف باطن كف على ظهر أخرى ثم بضع ظهر هذه الأخرى على ظهر الأولى ثم يضع ظهر كل في بطن الأخرى فيحتمل أنه فعل ذلك تحقيقا فيتعلق قوله: { عَلى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } يقلب لتضمنه منى الندم والتلهف فكأنه قيل: أصبح متلهفا على ما أنفق من الأموال في شرائها وعمارتها حتى إنه يقلب كفيه ظهرًا لبطن أو يتعلق بحال أو مفعول لأجله محذوف أى فأصبح بقلب كفيه نادما أو ندمًا على ما أنفق فيها .
ويحتمل أنه لم يقلب حقيقة ولكنه ندم وتلهف فعبر عن ندمه وتلهفه بتقليب الكف كناية عنه لأن من بالغ في الندم والتهلف يقلب كفيه ويعضها في الجملة .