{ ولتَصْغِى إليه أفئدةُ الَّذينَ لا يؤمنُونَ بالآخِرةِ } عطف على غرورا إذ جعلنا غرورًا مفعولا من أجله ، عطفا على المعنى ، لأن المعنى للغرور ، ويسمى في غير القرآن عطف توهم ، وإنما جئ بلام الجر ولم يقل: وإصغاء أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة إليه بنصب إصغاء عطفًا على غرور ، لأن فاعل لتصغى ، وفاعل عامل المغرور غير متحد فجر ، بخلاف فاعل غرور وفاعل عامله فمتحدان ، والجملتنان بين غرور أو لتَصْغى معترفان ، وإذا لم نجعل غرورًا مفعولا من أجله لم يعطف عليه لتَصْغى ، وعلى كل حال يجوز أن يعلق بمحذوف ، أى وجعلنا لكل نبى عدوًّا لتصغى أو أوجدنا ذلك لتصغى ، أو فعلنا ذلك لتصغى أو نحو ذلك ، وإن يعطف على محذوف متعلق بجعلنا الذى ذكر في الآية ، أى ليغروا ولتصغى .
إنما يصح التعليق بالجعل المذكر بواسطة العطف على محذوف ، أو بالجعل المقدر مثله ، إذ جعلنا الكلام منسحبًا إلى قوله: { يوحى } بأن جعلنا يوحى حالا من شياطين ، وصغوا الأفئدة إليه كفر ، وهو مع ذلك مراد لله تعالى ، وكذا الرضا به في قوله: { وليرضوه } والمعتزلة منعوا ذلك ، فجعلوا اللام للصيرورة أو للقسم ، كسرت لما لم يؤكد الفعل بعدها بالنون ، أو لام الأمر التهديدى ، ويردّه أن لام جواب القسم لا تكسر ، أكد الفعل بالنون أو لم يؤكد ، ولو زعموا أنها كسرت هنا فرقًا بينها وبين لام الابتداء ، وهذا أيضا مبنى على جواز دخول لام الابتداء على المضارع بلا تقدم لئن ، أو دخول لسوف أو السين عليه ، ولو كانت لام الأمر لحذفت الألف وثبوت حرف العلة مع الجازم ضرورة ، وقيل: غلة ضعيفة يعتبر أهلها عمل الجازم بعد تقدير الضمة ، ولكن لضعفها لا يخرج عليها القرآن ، ثم إنه أين نظيرها في القرآن؟
ودعوى أن الألف للإشباع تكلف بلا داع ، ثم إن حذف النون في ليرضوه يضعف جعل اللام في لتصغى لام جواب القسم ، لأن العطف عليه ، وادعاء أن النون حذفت تخفيفا تكلف ، والصغو والصغى الميل ، أى ولتميل إليه أفئدة ، يقال: صغا يصغو كدعا يدعو ، وصغا يصغى كعلم يعلم ، ولتميل إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فيتبعوه .
{ وليرْضَوْه } لأنفسهم دينًا { وليقْتَرفُوا } يكتسبوا ويتناولوا { ما هُم مُقْتَرفُون } إياه ، وفسر الزجاج الاقتراف بالكذب ، وهو تفسير بالمعنى المراد في الآية ، وإلا فليس الاقتراف في اللغة الكذب ، بل الاكتساب كما قال جل وعلا: { ومن يقترف حسنة } ومع كونه تفسيرا بالمعنى يضعف من وجه آخر أيضا ، وهو ليس المراد اقتراف ألسنتهم ، بل المراد كسب السيئات في القلب أو باللسان أو بالجوارح .