فقال: { وجَعَلوا للهِ شُركاء الجنَّ } لله متعلق بجعلوا ، أو حال من شركاء على زعمهم لعنهم الله ، وشركاء مفعول ثان ، والجن مفعول أول ، أى جعلوا الجن شركاء لله فعبدوها ، ولا يصح تعليق اللام بشركاء إلا معنى مشاركين ، ومعنى لام التقوية المختلف في تعليقها ، ويجوز كما قيل أن يكون لله مفعولا ثانيا وشركاء مفعولا أول ، والجن بدلا من المفعول الأول ، ويرده أنه لا يصح أن يقال: جعلوا لله الجن شركاء ، والجن أولاد إبليس المؤمنين والكافرين ، لأنهم يعبدونهم بحسب ما تخيل لهم من المنافع ، والمؤمنون من الجن يكرهون أن يعبدهم المشركون ، وقيل: المراد الشياطين ، وهم كفار الجن يوسوسون للمشركين فيعبدونهم .
ومعنى جعلهم الجن شركاء أن الجن أمروهم بعبادة الأصنام فعبدوها ، ومن أطاع أحدًا في الإشراك فقد جعله شريكا ، وهذا قول الزجاج ، فقبول أمرهم في الإشراك كعبادتهم ، وجعلهم شركاء لله ، ودخل في الآية عبادة النار والكواكب ، وقول: عزير ابن الله ، وقول: المسيح ابن الله ، وأنها مدبرة أمر هذا العالم ، وقول: إن الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك ونح ذلك من أنواع الكفر ، فإن الشياطين آمرون بذلك كله ، فمتبعهم قد جعلهم شركاء ، وقيل: الجن في الآية الملائكة لاستتارهم ، وكانت العرب تعبدهم ، وفى تسميتهم جنًا احتقار لهم عن الألوهية .
وعن ابن عباس ، وابن السائب ، والكلبى: أن الية في المجوس القائلين بأن إبليس خالق الشر كالعقرب والحيات والحرب والقتل ويسمونه هزمن وهرمن ، وبعض يسمونه ظلعة ، واختلفوا لعنهم الله في قدمه وحدوثه ، وخالق غير ذلك هو الله تعالى عن الشريك ، ولإبليس لعنه الله أعوان من جنسه يعملون أعماله ، فكانوا جملة شركاء عندهم ، وقرئ نرفع الجن على أنه خبر لمحذوف ، أى هم الجن ، وبالجر على إضافة شركاء إليه إضافة بيان ، أى هم الجن أو تبعيض ، ولا يلزم من كونها للبيان أن يكونوا يعبدونهم كلهم ، مع أنه يحتمل أنهم يعبدون الجن مطلقًا .
{ وخَلَقَهم } أى والحال أن الله خلق الجن ، فكيف يكونون شركاء له تعالى ، أو والحال أن الله خلق المشركين الجاعلين ، فكيف يعبدون من لم يخلقهم ويسمونه إلهًا ، فالواو للحال ، وصاحب الحال واو جعلوا ، أو لفظ الجلالة أو الجن ، وقيل يقدر قد ، أو المبتدأ بعد واو الحال الداخلة على ماض متصرف مثبت ، أى وقد خلقهم ، أو هو خق ، أو الهاء في خلقهم للجن أو للمشركين الجاعلين ، وفى قراءة ابن مسعود ومصحفه: وهو خلقهم ، وقرئ خلقهم بإسكان اللام ، إذ جعلوا لله شركاء الجن ، واختلافهم للإفك ، أى نسبوا لله تعالى قبائحهم التى افتروها ، إذ قالوا الله أمرنا بها ، وعطفه في هذه القراءة على شركاء على أن المفعول الثانى هو الله ، ولا يصح عطفه على شركاء ولا على الجن إذا جعلنا شركاء مفعولا ثانيا ، والجن مفعولا أول ، لأن افتراءهم لا يكون جنا ، ولا يكون شريكًا ، فإنك إذا قلت: جعلوا الجن شركاء وافتراء فقد جعلت الجن افتراء ، وإذا قلت جعلوا الجن والافتراء شركاء فقد جعلت الافتراء شريكا .