{ إِنَّهُ فَكَّرَ } فيما يخيل ويلبس به طعنا في القرآن { وَقَدَّرَ } في نفسه ما يتوصل له الى الطعن ، وقيل قدر يرادف هنا بفكر وهذا تعليل للوعيد كان الله عاجله بالفقر بعد الغناء والذل بعد العز في الدنيا لعناده ، ويعاقبه في الآخرة أشد العذاب وأفظعه لبلوغه بالعناد غايته وأقصاه في تفكيره وتسميته القرآن سحرًا .
ويجوز كون كلمة الردع متبوعة بقوله سأرهقه صعودًا ردًا لزعمه أن الجنة لم تخلق الا له وإخرابًا بأنه من أشد أهل النار عذابًا ويعلل ذلك بعناده ويكون قوله إنه فكر وقدر ، وقوله { إِنه كان لا يأتنا عنيدا } بيانا لكنه عناده ومعناه فكر ما يقول في القرآن وهيأ في نفسه ما يقوله كما يقول كما مر ، قال جمهور المفسرين إن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه ثم سمع كذلك مرارًا حتى كاد يسلم ، وقال والله لقد سمعت من محمد كلامًا ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى فقالت قريش صبا الوليد لتصبون قريش فقال أبو جهل انا اكفيكموه فحاجه أبو جهل وجماعة حتى غضب الوليد وقال تزعمون أن محمدًا مجنون فهل رايتموه يخنق قط قالوا لا قال تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يشعر قط قالوا لا قال تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن قط قالوا لا قال تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب قط قالوا لا ، وكانوا يسمونه قبل النبوة الأمين لصدقه فقالت قريش ما عندك فيه فتفكر في نفسه فقال ما أرى فيه شيئًا مما ذكرتموه فقالوا هو ساحر قال اما هذا فيشبه وفي رواية فقالت قريش صبا والله الوليد والله ليصبون قريش كلهم فقال أبو جهل وهو ابن أخي الوليد أنا أكفيكموه فغدا عليه حزينًا فكلمه بما أغضبه ونفى عنه A الجنون وما ذكر ونفوا ذلك ثم قال بعد تفكر والله ما هو الا ساحر أما رايتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه والذي يقوله سحر بأثره عن أهل بابل فتحركت الجماعة فرحًا وتفرقوا معجبين بقوله .
وقيل لما نزل { حم تنزيل الكتاب } إلى قوله { المصير } قرأها A في الصلاة في المسجد والوليد يسمع ولما علم به أعاد قراءتها فانطلق الى قومه من بني مخزوم فقال والله لقد سمعت محمدًا يقرأ كلامًا ما هو من كلام البشر الى آخر ما مر من صبو قريش ، وفيه أن أبا جهل استكفاهم وانطلق حتى جلس الى جنب الوليد حزينًا فقال له الوليد ما لي أراك حزينًا يا ابن أخي فقال وما يمنعني أن أحزن وهذه قريش تجمع لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون انك زينت كلام محمد وأنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن ابي قحافة لتنال من فضل طعامهم فغضب فقال ألم تعلم قريش اني من أكثرهم مالا وولدًا وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام ثم قام مع أبي جهل حتى اتى مجلس قومهم فقال لهم تزعمون أن محمدًا مجنون الى آخر ما مر وأبو كبشة أخو النبي A من الرضاعة وتلك الروايات عن الزهري وروي عن الحسن أن الوليد قال لقريش أن أمر هذا الرجل قد فشى وقد حضر الموسم فإن الناس يسألونكم عنه فما تردون عليهم قالوا نقول أنه مجنون قال يستنطقونه فيجدونه فصيحًا غير مجنون فيكذبونكم قالوا فخبرهم أنه كاهن فيسمعونه فلا يسمعون شيئًا أشبه الشعر ثم انصرف الى بيته ، فقالت قريش ايم الله لئن صبا الوليد لتصبون قريش كلها فقال ابو جهل انا اكفيكموه فذهب اليه فجرى التخاطب بينهم كما مر وفي تمام كلام الوليد لكني اكثرت حديث نفسي فإذا الذي يقول سحر وقول بشر وعن سعيد بن المسيب عنه A الفتنة تلقح بالنجوى وتنكح بالشكوى فلا توقظوها إذا رقدت ولا تثيروها إذا هي جثمت والفتنة رائعة في بلاد الله تطأ في خطامها حتى يأذن الله فيها فإذا أذن فويل لمن أخذ بخطامها من طلب الفتنة ذهب بقاؤه وقل نماؤه وكانت النار مأواه ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها ألا فالحذر الحذر فإنه لن ينجو من الفتنة الا من صانع الذل ولان يقال لك ذليل ضعيف خير من أن يقال لك أنك منه أصحاب النار فاجتمع اليه قومه فقالوا يا أبا المغيرة كيف يكون قولك قول بشر وسحرًا قال اذكركم الله هل تعلمون أنه فرق بين فلان وزوجه وبين فلان وأبيه وفلان وأخيه وفلان ومواليه يعني من أسلم فارق من لم يسلم فقالوا قد فعل قال هو ساحر ، قال مجاهد وكان ذلك في دار الندوة .