{ أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } : أتتولى اليهود فتبغى حكم الجاهلية مع أن في أيديهم التوراة المبينة ، وفى جوارهم خاتم النبيين والقرآن ، قال مقاتل: كان بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله سيدنا محمدًا A ، ولما بعض وهاجر الى المدينة تحاكموا اليه ، فقالت قريظة: ان بنى النضير اخواننا ، أبونا واحد وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فان قتلوا منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر ، وان قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقًا ، وأرض جراحتنا نصف أرض جراحتهم ، فاقض بيننا وبينهم .
فقال A: القتلى بواء أى سواء في القصاص والدية ، فقالت النضير: لانرضى بحكمك ، فانك لنا عدو ما تقصر في تصغيرنا ، فنزل: { أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ } وكذلك لفظ الآية يشمل كل ضلالة أرادت اليهود البقاء عليها ، كما قال به ابن عباسن وعن الحسن: الآية عامة في كل من يبتغى غير حكم الله من أحكام الجاهلية ، وقد سئل طاووس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض ، فقرأ هذه الآية .
وقيل: وردت الآية في حكم الكهان في الجاهلية ، وأخذهم الحلوان على ذلك ، فان فيه ضلالين: الحكم بالباطلن وأخذ الأجرة عليه ، وقرأ بان عامر: تبغون بالخطاب ، خاطب الله اليهود وأمر رسوله بالخطاب ، أى قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون ، وقرأ السلمى أفحكم الجاهلية يبغون برفع حكم على الاتبداء ، ويبغون خبره ، والعائد محذوف ، أى يبغونه ، وهى قراءة ضعيفة ، لأن حذف العائد الى المبتدأ اذا أدى حذفه الى ايهام كون المبتدأ مفعولا مقدمًا لولا رفعه ، وليس كحذف عائد الموصول والموصوف أو الحال ، وقرأ قتادة أفحكم الجاهلية ، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكمًا لأولئك الحكام ، أى أفيبغون حكم الجاهلية فأرادوا .
{ وَمَن أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا } : لا يفضل حكم أحد حكم الله ولا يساويه .
{ لِّقَومٍ يُوقِنُونَ } : أن لهم ربًا حكمًا عدلا ، واللام تتعلق بأحسن ، فان عظم حسن حكم الله منفعة وصلاح للموقنين كما تقول لمن أمرك أن تختار له أفضل الأمرين هذا أحسن لك ، ويجوز أن تعلق بمحذوف خبر المحذوف ، أى ذلك لقوم يوقنون ، وخص الموقنين لأنهم المنتفعون ، والاشارة المقدرة للحسن أو للاستفهام التقريرى ، وان تعلق كذلك ويكون بمعنى عند .