{ قَد خَسر الَّذينَ قَتَلُوا } وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد التاء للتكثير ، لأن الموءودات كثيرات لا للتعظيم ، لأن القتل لا يتفاوت ، اللهم إلا أن يعتبر بما زاد تعذيبًا ولا يحتمل الحياة { أولادَهُم سَفهًا بغَيْر علمٍ } سفهًا مفعول مطلق لخسر ، لأن السفه خسران ، أو لمحذوف أى سفهوا سفها ، والجملة بدل من الأولى بدل مطابق ، أو سفها مفعول لأجله ناصبه خسر ، أو حال أى ذوى سفه أو سفهاء أو هم سفهاء مبالغة ، ويدل للحال قراءة بعضهم سفهاء جمع سفيه ، وبغير علم نعت سفهاء ، والسفه خفة العقل والجهل ، ويجوز إطلاقه على الخسران ، لأن الخفة والجهل سبب للخسران ، والمراد الذين يقتلون بناتهم مخافة أن لا تزوج في التزوج إن كانت ذميمة ، أو مخافة الفقر والسبى أو الغيرة بشئ تأتيه ، وربما أخذت أحدهم الغيرة أن توطأ ابنته .
والمذكور في القرآن القتل خوف لقوله تعالى: { من إملاق } وصفهم الله بالخسران إذ خسروا الجنة ، وخسروا أولادهم ، وهم نعمة من الله لهم في النفع ، وزيادة العدد ، وصفهم بالسفه إذ جهلوا لأنهم آكلون للرزق لا رازقون ، فرزقهم وزرقهن عند الله ، وكان قتل البنات في ربيعة ومضر ، وجمهور العرب لا يفعلون ذلك ، وقيل في ربيعة ومضر وبعض العرب ، وكان أيضا في بعض غير العرب ، وكانوا يقتلونهن بالدفن وبالإلقاء في بئر بعيدة القعر ، وقد تفعل المرأة ذلك بقهر زوجها لها على ذلك بالظهار ، وذلك عندما تلدها ، وظل وجهه مسودًا ، تلدها مثلا في العدو ، فيقول لزوجته الوالدة لها: انت علىَّ كظهر أمى إن رجعت في الزواج ولم تئديها ، فتحفر لها حفرة فترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ، ثم يتداولنها بينهن ، فإذا أبصرنه راجعا دستها في حفرتها وسوت عليها التراب .
وروى أنه كن رجل من أصحاب رسول الله A لا يزال مغتما بين يديه ، فقال A « مالك تكون مخزونا؟ » فقال: يا رسول الله إنى قد أذنبت ذنبًا فأخاف أن لا يغفر لى وإن أسلمت ، فقال رسول الله A: « أخبرنى عن ذنبك » فقال: يا رسول الله إنى كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لى بنت فشفعت إلىَّ امرأتى أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء ، فخطبوها فدخلت على الحمية فلم يحملنى قلبى على أن أزوجها أو أتركها في البيت بلا زوج ، فقلت للمرأة: إنى أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا في زيارة أقاربى فابعثيها معى ، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى ، وأخذت علىَّ المواثيق بأن لا أخونها ، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أنى أريد أن ألقيها في البئر ، فالتزمتنى ، يعنى التصقت بى تضرعًا كالمصافح المعانق ، وجعلت تبكى وتقول: يا أبتى أى شئ تريد أن تفعل بى ، فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت على الحمية فالتمزتنى وجعلت تقول: يا أبتى لا تضيع أمانة أمى ، فجعلتُ مرة أنظر إلى البئر ، ومرة أنظر إليها فأرحمها ، فغلبنى الشيطان فأخذتها فألقيتها في البئر منكوسة وهى تنادى في البئر يا أبى قتلتنى ، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها ، فرجعت ، فبكى رسول الله A وأصحابه وقال: