{ لَيْسَ عَليْكَ هُدَاهُم } : أى توفيقهم إلى الإيمان ، بل عليك بيان الطريق لهم والحث على أداءِ الفرض ، وعلى المحسن والزجر عن المعاصى والقبائح كالمن والأذى وإخفاء الخبيث ، ووج هاتصال الآية بما قبلها أنه تعالى ندب أولا على الإنفاق وإخفائه وبين بهذه الآية جواز الإنفاق على المشركين ، فعن بعض: حجت أسماء بنت إبى بكر فجاءتها أمها تسألها وهى مشركة فأبت أن تعطيها ، فنزلت الآية . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: اعتمر رسول الله A عمرة القضاء ومعه أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما فجاءتها أمها قبيلة وجدتها تسألانها شيئا ، فقالت: لا أعطيكما شيثًا حتى أستأمر رسول الله A أن تتصدق عليهما ، وروى سعيد ابن جبير أيضا: أنهُ كان لنا ثلاثة من الأنصار قرابة من قريظة والنظير وأصهار ورضاع ، ينفقون عليهم قبل الإسلام ، وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون: لا نعطيكم شيثًا ما لم تسلموا ، فنزلت هذه الآية: وروى أيضًا: أنهُ لما كثر فقراء المسلمين نهى عن التصدق على المشركين لتحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت ، وروى: إن رجلا قال: أن تصدق على من ليس من أهل ديننا فنزلت الآية .
{ ولَكنَّ اللّهَ يَهْدِى } : يوفق إلى الإيمان .
{ مَنْ يَشاء } : هدايته إليه .
{ وَمَا تُنْفقُوا منْ خَيْرٍ } : أى مال كقوله تعالى: { إن ترك خيرًا } أو من نفقة معروفة ، ومعنى قول عكرمة كل خير في كتاب الله المال إنه المال إذا قرن بالإنفاق ونحوه مما يناسب المال .
{ فَلأنفُسكمُ } : أى فثوابه لأنفسكم ، فإذا مَننتم وآذيتم أو راءيتم فقد أبطلتموه عن أنفسكم ، وأذنبتم ، وإذا أنفقتم الخبيث فقد نقصتم عن أنفسكم وأقللتم: وإن كان حراما أذنبتم .
{ وَمَا تُنْفقُوَن إلا ابتِغاءَ وَجَهْ اللّهِ } : هذا إخبار لفظا ومعنى ، والحملة حال من ضمير الاستقرار المستتر في: { لأنفسكم } ، أعنى الضمير المستتر في نحو ثابت ، لما حذف ثابت انتقل منه إلى الجار والمجرور ، وهو عائد إلى ما من قوله: { وما تنفقوا } كأنه قيل وما تنفقوا من خير فلأنفسكم حال كونه لم تنفقوه إلا ابتغاء وجه الله ، أو حال من واو تنفقوا ، أى وما تنفقوا من خير حال كونكم غير منفقين له في غير ابتغاء وجه الله ، ويجوز كون الجملة معطوفة على الشرط والجواب والأداة على أن التقدير وما تنفقون نفقة يعتد بها ويرجو قبولها لا ابتغاء وجه الله ، أو على أن المخاطب جماعة هم الصحابة وهم على هذه الصفة ، وأنفقو في معصية أو برياء أو نحوه ، أو لغرض دنيوى فلا يثبت فيه الثواب ، ويجوز كون الجملة إخبار الفظا نهيا معنى ، أى لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ، فتكون مستأنفة ، ومعنى ابتغاء وجه الله طلب ثواب وجه الله ، وهو الله كما تقول وجه زيد تريد ذاته ونفسه ، وممن قال بأن اللفظ والمعنى خبر: الزجاج وغيره إذا قال هو: هذا خاص بالمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم مرادهم بنفقتهم ما عنده ، وقال غيره: معناه لستم في صدقتكم على أقرابكم والمشركين تقصدون إلا وجه الله ، وقد علم الله هذا من قلوبكم ، فأنلقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله في صلة الرحم ، وسدّ خلة المضطر .