{ وما كانَ المؤمِنُونَ لينْفِرُوا كافَّةً } إلى الغزو ، أى ما يستقيم لهم ذلك ، فقوله عز وعلا: { ما كان لأهل المدينة } فيما إذا نفر رسول الله A بنفسه مطلقا ، أو فيما إذا نفر واستنفرهم للحاجة إليهم ، وقوله: { وما كان المؤمنون } فى بعثة السرايا فلا نسخ ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ، وإنما هى استثناء ، ومعنى مراد في قوله: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم } إلخ ونحوه ، إذ لا يمكن أن يراد إيجاب عدم التخلف عليهم كأنهم أجمعين ، حتى لا يبقى من يحفظ الوحى ، واللام لتأكيد النفى .
{ فَلوْلا } هلا { نَفَر من كلِّ فرقةٍ } جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة { منْهُم } نعت فرقة { طائفةٌ } جماعة قليلة ومكث الباقون ، وذلك يدل على أن الفرقة أكبر من الطائفة ، لأن القليل هو الذى ينتزع من الكثير ، وقد يقال: إنهما سواء في جواز الإطلاق على العدد القليل والكثير ، فإذا أطلق أحدهما على الكثير صح استثناء الآخر منه ، على أنه مستعمل في القليل ، كما يجوز هذا ولو في اللفظ الواحد ، تقول: جاءت من الفرقة الكثيرة فرقة قليلة ، أو من الطائفة الكثيرة طائفة قليلة ، صرح الجوهرى باستوائهما .
{ ليتَفقَّهوا } ليتكلفوا العلم عن الرسول { في الدِّينِ } والواو للماكثين أو للكل باعتبار الماكثين إسنادا لما للبعض إلى الكل ، ولأن تفقههم تفقه للنافرين ، لأنهم يعملونه ، والفقه لغة الفهم والعلم في الدين أو غيره ، وذلك قيد في الآية بالدين ، لأنه المراد ، والقرآن نزل بلغة العرب ، ثم خص في عرف العلماء بعلم الدين ، وقيل: الفقه الوصول إلى علم غائب بعلم شاهد ، فهو أخص ، واللام متعلق بمكث المقدر ، أى ومكث الباقون ليتفقهوا ، أو ينفروا ، لأن المعنى هلا اقتصروا على نفور طائفة كذا ظهر لى .
{ ولينْذِرُوا } أى الماكثون { قَومَهم } وهم الطائفة النافرة { إذا رجَعُوا } أى هؤلاء النافرون { إليهم } من الغزو بتعليم ما تعلموه من الأحكام بالسنة ، أو بنزول القرآن حال غيبة النافرين { لَعلَّهم يحْذَرونَ } العقاب بالائتمار والانتهاء ، فإن العلم فرض كفاية في صور ، وفرض عين في أخرى ، وإذا ضيع فرض الكفاية ضيع فرض العين ، والآية دليل على عظم العلم والتعليم ، إذ جعلا في مقابلة الجهاد ، بل هما أفضل إذ بهما يعرف الجهاد ، ويحيا الدين لما بعد ، بل هما الجهاد الأكبر ، لأن الأصل في الجهاد هو الجدال بالحجة ، وإنما يعدل عنه إلى الجهاد بالسيف عند المكابرة والعناد .
واستدل بعضهم بالآية على أنه يقصد بالتعلم الإرشاد والتعليم والإنذار ، وخص الإنذار بالذكر لأنه أهم ، وذلك هو الذى ذهبت إليه مع نية نفى الجهل عن نفسه ، وبنية فضيلة العلم ، وعدم فصل الترفع على الناس ، واقتناء الأموال والجاه ، وعلو الصيت ، ولكنى أقول ذلك من خارج لا من الآية ، لأن التعليل فيها للنفر والمكث ، من حيث إنه مفعول ، فإنك إذا قلت إيت لأكرمك ، لا تريد أقصد بإتيانك الإكرام ، بل تريد أنى أقربك بالإتيان لتأتى لأكرمك فافهم ، وبذلك قال الشيخ إسماعيل الجيطالى .