{ و } اذكروا { إذ يَعِدُكم } وقرأ مسلمة بن محارب بإسكان دال يعدكم ، قال أبو الفتح: لتوالى الحركات { اللهُ إحْدَى } وقرأ ابن محيصن بوصل همزة إحدى فيما ذكر عنه ، ولا وجه له ، ولعله لم يكن الهمزة فتوهم الراوى أنه وصلها { الطَّائِفَتيْنِ } طائفة أبى سفيان مع العير ، وطائفة أبى جهل مع النفير { أنَّها لَكُم } بدل اشتمال من المفعول الثانى وهو أحدى .
قال عبد الرحمن الثعالبى في الأنوار في آيات النبى المختار ، عن ابن عباس: لما سمع رسول الله صلى الهل عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام ، ندب المسلمين إليهم وقال: « هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها » فانتدب الناس ، فخف بعضهم وثقل بعضهم ، وذلك أنه لم يظنون أن رسول الله A يلقى حربا ، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز بتجسس الأخبار ، ويسأل من لقى من الركبان تخوفا ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدًا استنفر أصحابه إليك ، فحذر عند ذلك ، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى إلى مكة يستنفر قريشا إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة .
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فقالت لأخيها العباس: يا أخى والله لقد رأيت رؤيا أفزعتنى وخفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم عنى ما أحدثك ، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فاجتمع الناس إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر أبى قيس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوى حتى كانت بأسفل الجبل ارفصت ، فما بقى بيت ولا دار بمكة إلا دخلتها فلقة منها ، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنتِ فاكتميها ولا تذكريها لأحد .
ثم خرج العباس ، فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه فغشى الحديث حتى تحدثت به قريش ، قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآنى أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ، فلما فرغت أقبلت حتى جلست فقال لى: يا بنى عبد المطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة ، فقلت: وما رأت؟ فقال: يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فستنربص بكم هذه الثلاث ، فإن يكن حقا ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب .