{ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } : بدل من المنافقين والكافرين ، أو من الذي تخذون أو تبع للمنافقين والكافرين ، أو للذين يتخذون أو منصوب أو مرفوع على الذم ، ومعنى التربص بكم انتظار وقوع أمر مكروه لكم ، وأجاز القاضى كون الذين مبتدأ خبره هو قوله:
{ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } : وهو ضعيف ، لأن هذا الموصول ليس عاما كاسم الشرط فضلا عن أن يشبهه فيقرن خبره بالفاء ، لأن المراد بالذين يتربصون قوم مخصوصون عليهم الله على فعلهم ، ولذلك لا يظهر المعنى على هذا الاعراب ، وقد يجاب بأن القاضى أراد في هذا الوجه التعميم ، وأراد أن المعنى كل من كان شأنه التربص يقول: ألم نكن مع المؤمنين ان كان لهم فتح من الله .
{ وَإِن كَانَ لِلكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤمِنِينَ } : الفتح في الأول والنصيب في الثاني الظفر والغلبة ، سمى ظفر المؤمنين وغلبتهم فتحا ، وظفر الكفار وغلبتهم نصيبا ، لأن ما للمؤمنين فتح من جملة النعيم المعد لهم في كرامة لهم عند ربهم ، وما للكافرين حظ خسيس دنيوى سريع الزوال مبتدأ منقطع .
ومعنى أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ مظاهرين لكم على عدوكم بما تنفقون به عليهم من كلمة النصر ، وخذلانا لعدوكم بما يذلون به ، ويضعفون ، ولكوننا بحيث يخافكم عدوكم بنا لعلمهم بمكاننا معكم ، وان خرجوا جهادا ، وبعضهم قالوا: كنا معكم في الجهاد ، ولو لم يقاتلوا ولم يدفعوا يقولون: أعطونا من الغنيمة لكوننا معكم بالنصر أو القتال أو الدين ، والخطاب في عليكم للكافرين .
ومعنى { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم تكن أيدينا فوق أيديكم قادرين عليكم ولم نقتلكم ، أو لم نحطكم عن المؤمنين ، وكلمة استحوذ فصيحة استعمالا شاذة قياسا ، اذ صحة الواو ولم تنقل حركتها لما قبلها وتقلب ألفا كما هو القياس ، فيقال: استحاذ يستحيذ استحاذة ، فيقال هنا: ألم نستحذ لكن خلق الله هذه الكلمة هكذا صحيحة .
ومعنى { نَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤمِنِينَ } بتركنا القتال من جانبهم خذلانا لهم ، وبتكلمنا لهم بما يضعفهم ، ويقويكم يطلبون أن يعطوهم بما أخذوا من المؤمنين لذلكن وقرىء بنصب نمنعكم بأن مضمرة بعد الواو التى بمعنى مع الواقعة في جواب النفى .
{ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } : بين المؤمنين والمنافقين ، وغلب المؤمنين اذ خوطبوا فخاطبهم هنا ، وأدخل في خطابهم المنافقين والكافرين المذكورين بالغيبة ، اذ قان: { ان الله جامع المنافقين } وقال: وان كان للكافرين .
{ يَوْمَ القِيَامَةِ } : بأن يدخل المؤمنين الجنة والمنافقين النار ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد أنه أخر عقاب المنافقين الى الموت ويوم القيامة ، ووضع عنهم السيف في الدينا .
{ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ سَبِيلًا } : حجة يوم القيامة وأما الحرب في الدنيا فسجال بين المؤمنين والكافرين ، ويوم القيامة يختص المؤمنين بالفوز بدينهم ، وظهور صدقهم صدقا ظاهرا معاينا ، وثوابه ولا يشاركهم كافر يوم القيامة في شىء من الخير ، كون السبيل يوم القيامة كما رأيت ، هو قول ابن عباس ، وعلى بن أبى طالب ، اذ سئل كل منهما: كيف قال الله ذلك ، ونحن نرى الكفار يقتلون المؤمنين؟ فأجابا بذلك .