{ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إنما المشْرِكُون } أراد عبدة الأصنام ، وغالب آيات القرآن يكون المشركون فيه غير أهل الكتاب كقوله: { ولا تنكحوا المشركات } وقوله: { والذين أشركوا } وقيل: أراد أصناف الكفار مطلقا عبد الأصنام ، واليهود والنصارى والصابئين والمجوس ، وقول بعض المتأخرين من أصحابنا: المراد في الآية عبدة الأوثان فقط ، وإلا لم يصح لأصحابنا الأختلاف في أهل الكتاب ، لا يشكل لحمل أصحابنا النجاسة في الآية على نجاسة العين ، لأنه المتبادر .
{ نَجَسٌ } قال أصحابنا جميعا: المراد بالمشركين في الآية عبدة الأوثان ، وبنجاستهم نجاسة أعيانهم ، لكن لا يتنجس مالقيها إلا إن كانت مبلولة ، أو كان مبلولا ، وكذا قالوا في المجوس ، وكذلك قال ابن عباس في عبدة الأوثان: إن نجاستهم لأعيانهم من حيث الشرك ، بل قال الحسن بن صالح ، والحسن البصرى: من مس مشركا أو صافحه فليتوضأ ، ولو كانا يابسين ، وبه قالت الزيدية من الشيعة .
وقيل: المراد بنجاستهم خبث باطنهم بالشرك وسائر الاعتقادات الفاسدة ، وأكثر قومنا على طهارة أبدان المشركين ، بل قيل: اتفقوا عليها ، وقيل: المراد ذمهم وتنقيصهم ، وقيل: إن الخلاف في المذهب أيضا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه يجب أن جتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس ، أو أنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسة غالبا ، قال القاضى: وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسة نجس ، قال قتادة ، ومعمر بن رشد: سموا نجسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون ، وإن اغتسلوا لم يجزهم ، وعن قتادة: يجنبون فلا يغتسلون ، ويحدثون فلا يتوضئون .
وأما أهل الكتاب فقال بعض أصحابنا بطهارة أبدانهم ، وبللهم بلا كراهة ، وقيل: بالطهارة مع الكراهة ، وقيل: بالنجاسة ، وذكروا ذلك على الإطلاق ، ولم يقيدوا الخلاف بمن ليس محاربا منهم وهو ظاهر قول القواعد: أن المشرك عند أصحابنا نوعان: كتابى وسواه ، وأن الكتابى فيه اختلاف حيث أدار الكلام على الكتاب ، فقسم المشرك إلى كتابى وغيره ، ولو كان الكتابى المحارب حكمه غير حكم الكتابى الذى ليس محاربا لقسمه إلى ثلاثة أقسام ، وذا أصحابنا المشارقة تذكر الخلاف في الكتابى مطلقا .
واحتج من قال بالطهارة بقوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم } والطعام عام وقال غير واحد: المراد به الذبائح وهو قول ابن محبوب ويتوضأ عمر من جرة نصرانية ، ويأكل النبى A وصحابته من اللحم الذى أهدته اليهودية .
واحتج من قال بالنجاسة بأن النبى A أمر أن تغسل آنية أهل الكتاب إذا احتج إليها ، ولا حجة في ذلك لاحتمال أنه أمر بغسلها ، لأنهم يتناولون الأنجاس والمحرمات فيها ، وقيد الشيخ يحيى توفيق الخلاف باكتابى غير المحارب ، وأما المحارب فنجس .
واختلفوا في ذبيحة المحارب منهم ، والراجح تحريمها عندهم ، وذكر بعض المشارقة في كتابى غسل يده أنه قيل: طاهرة مالم تعرق ، وقيل: مالم تنشف ، وقال مالك: كل حى طاهر ولو كان عابد صنم أو كلبا أو خنزيرا ، واختلف في مشرك أو كتابى أو مجوسى أسلم فقيل: يجب عليه الغسل وقيل: لا ، واختلف في المرتد إذا رجع إلى الإسلام ، وفى التاج: إن ارتد في نفسه فعليه الغسل والوضوء ، وقيل: الوضوء ، ومن تكلم بما يشرك به ولم يرد به ردة ، ومن حاله إذا علم بخطئه تاب فلا بأس عليه في زوجته ، ولا غسل قيل عليه ، وقيل: حرمت عليه في حينه إن كان ذاكرا لما كان منه ، وإن كان منه خطأ ثم نسيه وتاب في الجملة ولم يدن بذلك ولم يتعمده فقولان انتهى .