{ فقال يا صَاحِبَى السِّجن أمَّا أحدُكما } وهو صاحب شرباب الملك { فَيسْقى ربَّه } سيده وهو الملك { خَمرًا } كما كان يسقيه قبل الخمر وغيرها ، وخصها بالذكر لأنه رأى أنه يعصر خمرًا ، يعنى أنه يعود بمنزلته كما كان ، وتحسن حاله مع الملك والقضبان الثلاثة ، ثلاثة أيام يبقى في السجن فيها فيخرج ، وقيل: إنه قال: اتبعنا قيد الثلاثة ثلاثة أيامللبقاء ثم تخرج ، وأما ظل الشجرة وحسن ورقها فهو عملك الذى كنت عليه ، وحسن حالك عند الملك ، ويسأل عنك الملك فيردك إلى عملك وتعطيه الكأس فيأخذها ويشرب ، وقرأ عكرمة فيسقى ربه خمرا بالبناء للمفعول ورفع رب .
{ وأمَّا الآخرُ } وهو صاحب طعام الملك { فيُصْلب } على خشبة نخلة { فتأكُلُ الطَّير مِنْ رأسِهِ } والسلال الثلاث الآتى على رأسه ثلاثة أيام يمكثها في السجن ، وأكل الطير الخبز منها أكلها من دماغه إذا خرج بعد الثلاثة وصلب ، وروى التنانير الثلاثة بدل السلال الثلاثة ، فصاح فقال: ما رأيت شيئا أنما جئت لأجربك ، وروى أنهما قالا: ما رأينا شيئا فقال:
{ قُضى الأمر الَّى فِيه تَسْتفْتيان } صدقتما أو كذبتما ، وإنما وحد الأمر مع أنهما استفتياه في أمرين ، لأن المراد حقيقة الأمر أو لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وسجا من أجله ، بل الخباز قطع بأنه سمه ، وكأنهما استفتياه في أمر السم عاقبتهما النجاة أو الهالك ، وظاهر كلام كثير أن ذلك وقع في الليلة الأولى من سجنهما ، ومكث بعدها ثلاثة فخرجا ، فصلب الخباز فكانت الطير تأكل من رأسه ، وأعيد الساقى على عمله مع الملك ، فلما رأى السجان صدق تعبيره أحبه وقال له: أحبك كما مر .
وقيل: إن ذلك بعد أربع سنين من يوم سجنهم ، لما تمت أربع سنين أوحى الله سبحانه إلى جبريل: يا جبريل انزل على عبدى يوسف بتعبير الرؤيا ، فإنى قد رحمت غربته ، واستجبت دعاءه ، فهبط فقال: السلام عليك يا رأس الصديقين ، فقال: وعليك السلام يا أمين رب العالمين ، فقال: افتح فاك وخذ ما أتحفك به مولاك ، ففتح فاه فألقى فيه جبريل لؤلؤة صفراء ، ولما ساتقرت في جوفه خرج من بين عينيه نور كالشس ، فعلم تعبير الرؤيا كلها لوقته بلا درساة ولا تعليم ، فازداد حبا في أهل السجن ، وكان يعبر لهم ، وتكامل حبهم له ، رأى الساقى رؤياه وقصها على الخباز ، فقال الخباز: أما أنا فلم أر شيئا ، وسابتدع رؤياه ، فابتدع رؤياه المذكورة .