فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 7680

{ فأتنا بعذاب أليم } { فأمطر علينا حجارة مِن السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ونحو ذلك ، وحكمة إتيان العذاب في الغمام ، والإتيان بالغمام للعذاب ، أن الغمام مظنة العذاب ، ومنه ينزل المطر ، وإذا جاء العذاب من حيث لا يتوقع لا يسمى من حيث ترخى المنفعة كان أعظم على النفس لبعده عن وهمها ، ولذلك اشتد على المتفكرين في كتاب الله D قوله D: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ، وزعم الكلبى وسفيان بن عيينة في ذلك ومثله أنه لا يفسر ، بل يوكل إلى الله ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه: يقرأ ويفسر على ظاهره بلا كيف ولا تشبيه حتى قال قائلهم:

عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شئ عقيدة صائب

نسلم آيات الصفات بأسرها ... وإخبارها للظاهر المتقارب

ونويس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب

ونركب للتسليم سفنا فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب

وكلا القولين خطأ أما قول الكلبى وابن عيينة فلأنه جمود عن الحق مع ظهوره ، لأنا إذا أولناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه ، ومعنى ذلك التأويل في نفسه مجمع عليه لا مخالف في ذاته ، وإنما خالف من خالف في تأويل الآية به ، وإذا كان ذلك المعنى مجمعًا عليه فأيى مانع من تفسير الآية به ، وأما قول الزهرى ومن معه فلزم عليه إذا فسر به بظاهره الوقوع فيما فرو منه من التشبيه ، ولم يغن عنهم قولهم بلا تكييف ولا تشبيه ، وزعم الطبرى - قبحه الله - بسنده المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى A قال: « من الغمام طاقات يأتى الله - D - فيها محفوفًا ، وذلك { هَلْ يَنْظرُونَ: إلاَّ أن يأتيهُمُ اللّهُ فِى ظُلَلٍ من الغمام } »

{ وَالملائِكَةُ وقُضِىَ الأمْرُ } : قال عكرمة والملائكة حوله ، فإن صح ذلك فالمعنى: من الغمام طاقات يأتى عذاب الله D فيها محفوفًا ذلك العذاب بالغمام والملائكة حول الغمام لا حول الرب - تعالى عن الجهة - كام زعم زاعم . ومعنى قُضِىَ الأمر: فرغ من إهلاكهم ، وهو بمعنى يقضى نزل منزلة ما مضى لتحقق أنه وقع ، ولدنوه وذلك توعد في الدنيا وهو الظاهر ، وبه قال ابن جريج ، وقيل ذلك كله يوم القيامة يفرغ من حسابهم ، كما قال بعض: إن ظهور الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها ، وهو ظاهر الرواية السابقة للطبرى عن ابن عباس وعكرمة ، وقيل إتيان الله تعالى وعيد بيوم القيامة وإتيان الملائكة وعيد يأتيهم عند الموت ، والظلل جمع ظلة ، وهى ما علا رأسك وأظلك ، وقرئ بكسر الظاء على أنهُ جمع: ظلة بكسرها ، أو جمع ظل ، والغمام السحاب الأبيض الرقيق الأصفى الأحسن ، سمى غمامًا ، لأنه يغم ويستر ، وقيل: هو شئ غير السحاب لم يكن إلا لبنى إسرائيل في تيههم ، وهو كهيئة الضباب الأبيض ، وعن النقاش: ضباب أبيض ، وفى متعلقة بقوله: { يأتى } إن جعلنا في بمعنى الباء أو بمحذوف حال من اسم الجلالة إن قدرنا مضافا متعلقًا ، وقرئ بالجر عطفًا على الظلل ، أو على الغمام ، فإن الظلة كما تكون من الغمام تكون من الملائكة ، وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه ، وقضاء الأمر بالمصدر المرفوع عطفًا على اسم الجلالة ، أو على الملائكة ، ويجر الأمر على الإضافة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت