{ وما تسقُطُ مِن ورقةٍ إلا يعْلَمها } أى ما تسقط ورقة من شجرتها إلا يعلمها الله نفسها عينها ، ويعلم سقوطها ، وكم مرة تقلبت في الهواء حتى وصلت إلى الأرضن وعلى أى جهة وصلت ، ويعلم ما بقى فيها كذلك ، وكم هو ، وهذا نص في علم جزئى دقيق ، وكذا ما بعده فيكون دليلا وبرهانًا على العلم الكلى الإجمالى في قوله: { وعنده مفاتح الغيب } إلخ وقوله: { ويعلم ما } إلخ ، وذكر أولا أنهُ عالم بكل غيب فهو أعلم في الغيوب ، وذكر بعد ما أنه عالم أيضا بما هو في البر والبحر ، وهو مما نشاهد بعضه ، ثم ذكر أشياء دقيقة ، وجملة يعلمها حال من ورقة ولو نكرة لتقدم المعنى .
{ ولا حبَّةٍ في ظُلُمات الأرض ولا رَطْب ولا يابِسٍ } معطوفات على ورقة ، أى ولا تسقط من حبة في ظلمات الأرض ، ولا من رطب ولا يابس . { إلا في كِتابٍ مُبِينٍ } يتعلق بمحذوف وجوبًا حال من حبة ورطب ويابس ، كقولك: ما جاء زيد إلا راكبًا ولا عمرو إلا مسرورًا ، فهو من العطف على معمولى عامل واحد ، لأن من صلة للتأكيد ، وإن اعتبرتها صح ، وكان عطفا على معمولى عاملين ، لكن المعمول الأول المعطوف عليه ، والمعمول الأول المعطوف عمل في كل منهما عاملان . وهما من إذ عملت في لفظ ورقة ولفظ حبة وتسقط ، إذ عمل في تقدير ورقة وتقدير حبة هذا تحقيق المقام في ما ظهر لى .
ويجوز وجه آخر ، هو أن يعتبر قوله: { ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس } فى نية التقديم على قوله: { إلا يعلمها } ففى هذا الوجه يعود ضمير النصب في يعلمها إلى ورقة وحبة ورطب ويابس ، لا إلى ورقة فقط كما في الوجه الأول ، فالتقدير: وما تسقد من ورقة ولا حبة في ظلمات الأرض ، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها في كتاب مبين ، فيكون قوله: { إلا في كتاب مبين } بدل كل من قوله: { إلا يعلمها } إن فسرنا الكتاب المبين بعلم الله تعالى ، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ ، واختيار الفحر أنه علم الله تعالى ، وقرئ برفع حبة ورطب ويابس عطفًا على تقدير الرفع في ورقة ، أو هو مبتدأ خبره في كتاب ، وفى هذا الوجه خاصة ليس معنى { ولا حبة } إلخ أن سقوطها ثابت في كتاب مبين ، بل جميع شأن الحبة ما بعدها في كتاب مبين ، ولا شئ أخفى من حبة في ظلمات الأرض وهى داخل الأرض لصغر الحبة وسعة ظلمات الأرض ، ولا يخرج شئ من المخلوقات عن الرطب واليابس ، فذلك كله تقدير لقوله: { عنده مفاتح الغيب } و { في ظلمات الأرض } نعت لحبة ، وسمى داخل الأرض ظلمة مع أنه لا هواء في الأرض ، بل جسم منضم ، لأن داخل الجسم غير الأجوف ، ظلمة ، لأنه لا نور فيه ، ولأنه لو كان أجوف لكانت فيه ظلمة .