فهرس الكتاب

الصفحة 2143 من 7680

{ كأنَّما يصَّعَّدُ } يتصعد يتفعل من الصعود لتكلف ، أبدلت التاء صادًا وسكنت وأدغمت في الصاد ، أى يعالج ويتكلف الصعود بجسده { في السَّماء } أى في جهة السماء ، فهى على ظاهره لأنه يوقع تكلف الصعود في تلك الجهة ، والدخول فيها ، والمعنى أن متابعة الحق عنده صعبة شديدة متعذرة كصعوبة وشدة ، وتعذر الصعود إلى السماء في الهواء بلا درج ، فهو لا يؤمن كما لا يصعد في السماء ، ويجوز كون في بمعنى إلى ، ويجوز أن يراد بالسماء جهتها بلا استشعار وصولها ، وأن يراد بالتصعد في السماء التصعد إلى أعلى عقبة كئود صعبة لا تتيسر .

ويجوز أن يكون المعنى أنه ليس يستشعر أن الإسلام صعب متعذر كالصعود للسماء ، بل مجرد أنه بعيد عن الإيمان كبعد الصعود إلى السماء ، وقرأ شعبة وابن مسعود يتصعد بفتح التاء والصاد وتشديد العين ، وهى أصل القراءة الأولى ، وقرأ عاصم من رواية أبى بكر عنه يصاعد ألف بعد الصاد المشددة ، وتخفيف العين ، أصله يتصاعد بتاء قلبت صادًا ، وأدغمت في الصاد ، وهؤلاء القراءات الثلاث فيها مبالغة والصيغة فيهن لتكلف الشئ .

وقرأ ابن كثير يصعد بإسكان الصاد ، وهو مضارع الثلاثى ، وقرئ يصعد بضم الياء وإسكان الصاد وكسر العين مضارع أصعد بمعنى صعد ، وكأن للتشبيه ، وما صلة لتأكيد التشبيه مسبقة لدخولها لمفعول ثان ، أى مفعولا فيه كأنما يصَّعد في السماء ، والتحقيق أن الشرح والتضييق لم يرد بهما شأن التوحيد والشرك فقط ، بل شأنهما وشأن العمل ، وفسوق الموحد ، فإن الموحد الفاسق قد جعل صدره ضيقا حرجًا أيضا كأنما يصَّعد في السماء .

{ كَذلكَ } أى كما يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصَّعد في السماء { يَجْعل اللهُ الرِّجْس } العذاب في الدنيا والآخرة { على الَّذين لا يؤمنُونَ } لأجل عدم إيمانهم ، إذ ضاقت صدورهم عنه باختيارهم ، فجازاهم الله بالرجس على ذلك وهو العذاب كما رأيت ، وهو قول ابن عباس ، وقيل: يحتمل أن يكون الرجس في الدنيا ، فيكون بمعنى اللعنة أو في الآخرة ، فيكون بمعنى العذاب ، قال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة ، وفى الآخرة العذاب ، قلنا ، لا يلزم ذلك ، لأن الرجز وهو الرجس قد ورد في القرآن بمعنى عذاب الدنيا كقوله تعالى: { وأنزل عليهم من السماء } الآية .

وقال مجاهد: الرجس أعم من العذاب ، فهو يعم كل ما فيه شر ، وعن ابن عباس: الرجس الشيطان ، وجعله عليهم تصديقه عليهم ، فإنهم لما اختاروا الضلال ازداد عليهم أطاعوا الشيطان وأنفسهم أولا ، فعوقبوا بالازدياد من الضلال ، وقيل: الرجس الخذلان ، وليس كذلك ، لأن جعل الصدر ضيقا حرجا خذلان ، ولعل المراد زيادة لخذلان ، فإن كل معصية خذلان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت