{ وَرَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِينًا } : اخترته لكم حال كونه دينا عظيما من بين سائر الأديان ، أو نصب على نزل الجارن أى لطاعتى أى لتطيعونى به ، أو مفعول لأجله على القول بجوازه ولو لم يتحد الفاعل ، ولا دين عند الله سواه على أن يراد به الأيمان الكامل والعمل بمقتضاه ، فمعناه أخرجتكم أيها الأمة من الشرك ، وأجنبتكم شرك أهل الكتاب أيضا ، أو رضيت لكم هذه الشريعة دينا ، وفضلتكم بها .
وقد كانت غيرها شرائع من الله مقبولة كما قال: { هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا } ولا مانع من اطلاق الاسلام على هذه الشريعة ، كما أطلق في الوجه الأول على خلاف الشرك من دين الله ، ومعنى رضاه لنا بالاسلام أنه مازال ينزل منه جزء حتى تم ، فلما تم قال: قد تم واخترته لكم تاما ، وكذلك كلما نزل جزء قد رضى لنا ذلك الجزء أو اليوم الذى رضيه لنا فيه ، وهو زمان بعثه صلى الله عليه سلم الى أن مات فما بعده تبع له .
قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله A يقول: « يقول جبريل: قال الله D هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه » وذكر بعضهم أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يهددون به فيهلكون الى النار الا دين الاسلام ، فيبشر أهله فيجىء في صورة حسنة فيقول: يا رب أنت السلام ن وأنت سميتنى الاسلام ، فيقول: اياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجازى .
{ فَمَن اضطُرَّ في مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإثمٍ فَإنَ اللهَ غَفُورُ رَّحِيمٌ } : هذا متصل بقوله: { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } وما بينهما معترض مقرر لتحريم ذلك الفسق ، ومبين أن مجانبته من جملة الدين التام ، والنعمة التامة ، والاسلام المرضى الذي لا يقبل سواه ، والمعنى: فمن ألجأه الله بقدره وقضائه الى أكل بعض ما حرم مما مر ذكره في مجاعة ، وخاف الموت ، أو ذهب عضوا من أعضائه فأكله حال كونه غير مائل الى اثم ، بأن لم يسافر في معصية ، ولم يفعل فيه ، أو في حضر ما يضطره لذلك ، لأن الحضر والسفر في ذلك سواء ، ولم يأكل أكثر مما يحيى رمقه على حد ما مر في قوله تعالى: { غير باغ ولا عاد } فان الله لا يؤاخذه بأكله ، لأنه غفور رحيم ، فاضطر ماض مبنى للمفعول وفاعله الله .
ومعنى اضطره الله أنه وقع في الضرر بقدر الله ، ولو كان سفره مثلا الى أن وقع في ذلك باختياره ، بل لو أجبره الله حتى وقع في ذلك لم يجب عليه أن يبيح له المحرم ، بل له أن يحرمه فيموت ، ولكن لا اجبار من الله أو الفاعل الانسان ، أى فمن اضطر نفسه بأن أوقعها بسبب سفر أو غيره في الاحتياج الى القوت من المحرم ، ومتعلق اضطر محذوف أى اضطر الى أكل بعض تلك المحرمات ، والمخمصة المجاعة ، وغير حال من المستكن في اضطر ، ومتجانف مائل ، واللام في الاثم بمعنى الى ، أو للتعدية أو للتعليل ، أى غير مائل عن الحق وهو مثلا أكل ما يحيى رمقه لأجل ارادة غيره وهو الزيادة ، وان الله غفور رحيم تعليل قائم مقام الجواب ، وسميت المخمصة مخمصة لخموص البطن أى خلوه عند الرجوع .