وقالت حواء أيضًا كلام عرب وجعل شعرًا:
دع الشكوى فقد هلكوا جميعا ... بهلك ليس بالثمن الربيح
وما يعنى البكاء عن البواكى ... اذا ما المرء غيب في الضريح
فابك لنفس منمك ودع هواها ... فلست مخلدًا عبد الذبيح
أى القتل فأجابها ابليس لعنه الله تعالى:
أزحت عن البلاد وساكنيها ... فتى في الخلد ضاق به الفسيح
وكنت به وزوجك في رخاء ... وقلبكما من الدنيا نريح
فما زالت مكايدتى ومكرى ... الى أن فاتك الخلد الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريح
{ قَالَ يَاوَيلَتِى } : يا ويلى يا هلاكى قلبت الياء ألفًا ، وذلك تحسر على حمله أخاه مدةن وصاح بأ ، حمله هلاك عظيم دنيوى ، وقع فيه فناداه ليحضر مجازًا لتعجب منه الناس .
{ أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ } : استفهام توبيخ لنفسه ، والمعنى أعجزت عن كونى مثل هذا الغراب القاتل للغراب الآخر الدافن له فأدفن أخى الذى قتلت كما فعل كما قال:
{ فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى } : أسترها بالدفن في التراب ، والنصب عطف على أكون لافى جواب الاستفهام ، لأن المواراة لا تسبق لعجز عنها بل عن القدرة عليها ، وقرىء فأوراى بسكون الياء للتخفيف على لغة من يخفف المنصوب المعتل ، أو على أنه مرفوع أى فأنا أوارى .
{ فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } : من جملة أهل الندم على ما فعلوا ، وقد فات لا ندم توبة بل ندم تحسر على حمله مدة طويلة كما مر ، وصيرورته تلميذا للغراب وسواد لونه وعدم تزوجه لأخته اقليما مع القتل وقع بسببها ، ولو قيل انه ذهب بها الى عدن ، ومعاداة أبيه أو أمه له ، والتجبر في أمره والتغرب عن الوطن ، وعدم انتفاعه بقتله ، ولم يسلم من تفضيل الناس أخاه عليه ، وقولهم انه تقبل قربانه ، ولم يقتل قربان قابيل ، وابتلاه الله بأنه لا يمر به أحد الا رماه ، أعنى رمى قابيل ، وقيل: المراد الندم على حمله على ظهره لدلالة ما سبق عليه ، ومناسبته له ، والأول أعم ، ومن جملة النادمين ابن لقابيل أعمى ، قاده ابن له فقال له ابنه: هذا أبوك قابيل ، فرماء الأعمى لما علمت أن قابيل يرميه كل من مر به سلط عليه ذلك ، وطبع الناس عليه ، فلما رمى الأعمى أباه قابيل قتله ، قال له ابنه: قتلت أباك قابيل ، فرفع يده فلطم ابنه القائل له ، فقال: ويلى قتلت أبى برميى ، وابنى بلطفى .
وقال الكلبى: لم يحمل أخاه هابيل على ظهره ، وانما ندم على عدم دفنه ، وقال: انه قتل أخاه هابيل عشية وغدا اليه غدوة الغد لينظر ما فعل ، فاذا هو بغراب يبحث في الأرض لغراب ميت ، وحثا عليه التراب فقال: { يَاوَيلَتِى أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى } فحفر لها بيده ، وواراه ، واختلفوا في قابييل هل هو مشرك؟ والصحيح أنه فاسق منافق .