وعن وهب بن منبه: أنزل الله قرصة من شعير وحيتانًا ، وما كان ذلك يغنى عنهم شيئًا ، ولكن الله أضعف لهم البركة ، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ، ويأتى آخرون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل .
وقال كعب الأحبار رضى الله عنه: نزلت مائدة منكوسة ، تطير بها الملائكة بين السماء والأرض ، وعليها كل طعام الا اللحم ، وقال مقاتل والكلبى: استجاب الله تعالى لعيسى عليه السلام وقال: { إِنِى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } كما سألتم ، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا بعده ولعنته ، ثم قالوا: رضينا ، فدعا شمعون الصغار ، كان رأس الحواريين فقال: هل معك طعام؟ قال: نعم ، معى سمكتان صغيرتان وستة أرغفة ، فقال: على بها فقطعهن صغارًا ، ثم مقال: اقعدوا في روضة وترافقوا رفاقًا ، كل رفقة عشرة ، ثم قال عيسى عليه السلام ودعا ربه سبحانه فاستجاب له ، وأنزل بها البركة ، فصار خبزًا صحيحًا وسمكًا صحاحًا ، ثم قام عيسى عليه السلام ، فجعل يلقى في كل رفقة ما حملت أصابعه ، ثم قال: باسم الله ، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم ، فأكلوا ما شاء الله ، وفضل منه والناس خمسة آلاف ونيف .
فقال الناس جميعًا: نشهد أنك عبد الله ورسوله ، ثم سألوا مرة أخرى ، فدعا عيسى عليه السلام فأنزل الله تعالى خمسة أرغفة وسمكتين ، فصنع عيسى ما يصنع في المرة الأولى ، فلما رجعوا ونشروا هذا الحديث ضحك منهم قوم ممن لم يشهد وقالوا لهم: ويحكم انما سحر أعينكم ، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة ، ومن أراد الله به فتنة رجع الى كفره ، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبى ولا امرأة ، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام وهلكوا ، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا .
عن عطاء بن أبى رباح ، عن سلمان الفارسى: لما سأل الحواريون المائدة ، لبس عيسى الصوف وقال: { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة مائدة من السماء } الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة من فوقها ، وغمامة من تحتها ، وهم ينظرون اليها ، وهى تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلنى من الشاكرين ، الله اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، واليهود ينظرون اليها ، ينظرون الى شىء لم يروا مثله قط ، ولم يجدوا ريحًا أطيب من ريحه ، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا ، ويكشف عنها وذكر اسم الله ويأكل منها ، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا ، فقال عيسى فتوضأ وصلى صلاة طويلة ، وبكى كثيرًا ، ثم كشف المنديل عنها وقال: باسم الله خير الرازقين ، فاذا هو بسمكة مشوية ، ليس عليها فلوس ولا شوك ، تسيل دسمًا وعند رأسها ملح ، وعند ذنبها خل ، وحواليها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، واذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الثانى عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد .