وإن قلت: لعل الكلام محمول على المبالغة في النهى عن الطرد ، أى لو طردتهم على تقدير أن يكون حسابهم عليك كنت ظالمًا ، فكيف إذا لم يكن حسابهم عليك ، فهو نظير قوله E: « نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » ؟قلت: قد قال بهذا بعض محققى الترك ، ولله درّه وهو موافق لما ذكرته من محض الآية على جواز العطف اعتبار أن ثبوت حسابهم عليه من دواعى ظلمهم ، وقد ظهر لى البحث المذكور ، والله الذى لا إله إلا هو قبل اطلاعى على كلام التركى ، والحمد لله .
وليست الآية دليلا على صدور المعصية والكبائر من النبيين ، لأن النبى A وعليهم أجمعين لم يصدر منه الطرد ، فضلا عن أن يكون من الظالمين ، بل مال بالطبع إلى وجه استحسنه اجتهاده بمصلحة دينية ، وهى أن يسلم الرؤساء فكثر أتباعهم ، فيظهر الإسلام ويزيد بوجه لطيف ليس فيه إغضاب ضعفاء المسلمين ، ولما بين الله أن الصواب غير ذلك ، وأن ذلك الذى ظهر له هو بمنزلة الطرد حتى قال له: { ولا تطرد } الآية تركه ، وأيضا لا يلزم أن يكون { الظالمين } من الظلم الذى هو ذنب عظيم بجواز أن يكون بمعنى وضع الشئ في غير موضعه بعدم إصابة رأيه ما عند الله ، وليس عدم موافقة الاجتهاد ما الله ذنبًا .