وقيل: رسل الجن منهم بواسطة رسل الإنس ، بأن يوحى الله إلى رسول الإنس أن أرسل فلانًا من الجن إليهم ، وهذا لا بأس به ، كما أنه لا بأس بما مر أولا من أن رسول الإنس يرسل إليهم بعضا منهم مفوضًا ، وجملة يا معشر الجن إلخ من مقول القول السابق ، وقوله: { إن ربك } إلى { يكسبون } معترض ، ومنكم نعت رسل ، ومن للتبعيض أو متعلق بيأتكم ، ومن للابتداء ، والرسل غير داخلين في الخطاب بالراء وكاف يأتكمن والمعنى من جنسكم على التأويلات السابقة .
{ يقصُّون } يلتون ويلقون { عليْكُم آياتِى } الآيات التى نزلت في كتبى دالة على وجودى ووحدانيتى ، وصدق رسلى ، والجملة نعت رسل ، أو حال منه ، لكن الحال إذ جعلنا منكم نعتًا والنعت يجوز مطلقًا ، وإذا جعلنا منكم نعتًا جاز أن تكون الجملة أيضا حالًا من المستكن في منكم { وينْذِرُونكم لقاء يومِكُم هذا } يوم القيامة وإضافة لقاء ليوم إضافة لمفعوله ، أى يخبرونكم خبرًا شديدًا وهو أنكم تبعثون ، فإن لم تؤمنوا في الدنيا وتطيعوا عوقبتم يوم تبعثون .
{ قالُوا شَهدْنا عَلى أنْفسِنا } قال كفار الجن والإنس يوم القيامة شهدنا على أنفسنا أن الرسل جاءتنا وبلغتنا رسالتك وعصينا ولم نؤمن ، وقد استوجبنا العذاب وذلك اعتراف بألسنتهم أو بجوارحهم حين ختم على أفواههم ، أو ختم عليها فتكلمت جوارحهم بذلك ، ثم نطقت ألسنتهم فقالت: إن جوارحنا قد شهدت علينا ، ذلك أنهم يوم القيامة تارة ينكرون وتارة يقرون ، تقر جوارحهم وقد قالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين } فحينئذ ختم على أفواههم فنطقت جوارحهم ، وها هنا تم كلامهم واستأنف الله جل وعلا كلامًا في ذمهم فقال:
{ وغرَّتهُم الحياةُ الدُّنيا } زينت لهم القبيح الذى عاقبته النار وهو الكفر والمعاصى اشتغلوا بهما عن الآخرة ، والعطف على قالوا ، ولو اختلف زمن الغرور والقول أو حال ماضية ، أو من جملة المقول على الالتفات أى وغرتنا الحياة الدنيا .
{ وشَهدُوا على أنفُسِهم أنهُم كانُوا كافِرِينَ } بالبعث والرسول والوحدانية ، أو بالله ، فكل واحد ومقدار كفره ، والجملة معطوفة على التى قبلها أو كلتاهما من الله ، والأولى من مقولهم على الالتفات ، والثانية من الله ، ويجوز أيضا أن تكون الثانية من مقالهم أيضا مع الأولى على الالتفات ، أى وغرتنا الحياة الدنيا ، وشهدنا على أنفسنا أنا كنا كافرين ، أى قد أقررنا لك بكفرنا على كل حال ، فالله سبحانه ذكر ذلك تحذيرًا عن حالهم .