« يا ابن حبيش من أسرك؟ » فقلت: لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذى رأيت ، فقال رسول الله A: « أسره ملك اذهب يا ابن عوف بأسيرك » فذهب بى وتأخر إسلامى حتى كان ما كان .
وروى أن رجلا قصيرا جاء بالعباس بن عبد المطلب أسيرا ، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرنى ، لقد أسرنى رجل أجلح من أحسن الناس وجها ، على فرس أنثى ما أراه ، فقال الأنصارى: بل أنا أسرته يا رسول الله ، فقال له رسول الله A: « اسكت فقد أيدك الله بملك كريم » وكان الأنصارى يعرف بأبى اليسر كعب بن عمرو .
وروى أنه قيل للعباس: كيف أسرك أو اليسر وهو ذميم وأنت جسيم ولو شئت لجعلته في كفك؟ فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عينى كالخندمة يعنى جبلا من جبال مكة ، وروة أنه قيل لأبى اليسر: كيف أسرته؟ فقال: أعاننى عليه رجل من صفته كذا ، وما رأيته قبل ولا بعد .
ولما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وثاق الأسرى شد وثاق العباس ، فسمعه A يئن فلم يأخذه النوم ، فبلغ الأنصار فأطلقوه وفهموا أنه A رضى بفك وثاقه ، وسألوه أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم .
وعن رجل من بنى سعد بن بكر: أبصرت يوم بدر رجلا بين يدى منهزما فقلت: ألحقه أستأسره ، فتدلى من جرف فلحقته ، فإذا رأسه قد زايله ساقطا ، وما رأيت قربه أحدا ، ورأى حكيم بن خزام في المنام بخارا قد سد الأفق في بدر ، فإذا الوادى يسيل نملا ، فوقع في نفسى أن هذا شئ أيد به محمد ، فما كانت إلا الهزيمة ، وقال: التقينا فاقتتلنا ، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل الحصاة في الطست الحديد .
قال نوفل بن معاوية: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصى في الطساس في أفئدتنا ومن خلفنا ، فكان ذلك من أشد الرعب علينا ، وروى أن أبا جهل قال لابن مسعود: من أين ذلك الصوت الذى كنا نسمع ولا نرى شخصا ، فقال: من الملائكة ، فقال: هم غلبونا لا أنتم .
قال قباث بن أشيم: نظرت إلى كثرتنا وقلة أصحاب محمد فانهزمنا ، وإنى لا أقول في نفسى ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء ، ولما كان أمر الخندق قلت: لو قدمت إلى محمد فأنظر ما يقول وقد وقع الإسلام في قلبى ، فقدمت المدينة فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد مع ملأ من أصحابه ، فأتيته ولا أعرفه فسلمت فقال: « يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء؟ »